جريدة الإتحاد - 2/27/2026 2:39:46 AM - GMT (+4 )
في عالم تتسارع فيه التغيرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، برزت الإمارات العربية المتحدة كقوة ناعمة حقيقية، استطاعت خلال خمسة عقود فقط أن ترسّخ مكانتها بين الدول المتقدمة عالمياً، ليس فقط كدولة غنية أو سريعة التطور، بل كمؤثر عالمي يقرأ المستقبل ويديره بذكاء وثبات. لقد أصبحت الإمارات مثالاً واسع الانتشار على أن القوة الناعمة ليست شعاراً فحسب، بل استراتيجية عمل متكاملة ومثبتة بالأرقام.
ومن واقع تنموي شامل، انطلقت الإمارات من رؤية قيادية واضحة تتبنى التخطيط طويل المدى، وتدمج التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ضمن أهداف متّسقة، ولقد نجحت الدولة في تحويل هذه الرؤية إلى واقع استراتيجي صريح، حيث تحققت خطوات نوعية على صعيد التنمية المستدامة، فقد أظهرت التقارير أن الإمارات حققت تقدماً ملموساً في أهداف التنمية المستدامة، وبلغت نسبة الإنجاز فيها حوالي 62% وفق منهجيات عالمية، ما يعكس التزاماً قوياً بتطوير السياسات الوطنية وترجمتها على الأرض.
اقتصادياً، تجاوزت التجارة غير النفطية عتبة 1 تريليون دولار لأول مرة في تاريخها، في إنجاز يعكس عمق استراتيجية تنويع الاقتصاد واستقلاله عن الموارد التقليدية.
كما يعكس نمو الناتج المحلي غير النفطي قوة هذه الاستراتيجية، إذ شكّل هذا القطاع أكثر من 77% من الناتج المحلي الإجمالي في السنوات الأخيرة، مما يؤكد تحوّل الاقتصاد الإماراتي إلى اقتصاد عالمي متنوّع وقادر على المنافسة.
اعتمدت الإمارات على الإنسان كركيزة أساسية في مسارها التنموي، فجاء الاستثمار في التعليم والصحة والتمكين المهني صورة واقعية لهذا التوجه، وقد كان ذلك واضحاً في تصدر الدولة إقليمياً واحتلالها المركز الـ15 عالمياً في مؤشر التنمية البشرية، وهو مؤشر يقيس جودة الحياة، الصحة، والتعليم، ومتوسط الدخل.
إن العلامة الأبرز في مسيرة الإمارات التنموية الرائدة هي تصنيفها ضمن أقوى عشر دول عالمياً في مؤشر القوة الناعمة، الذي شمل 193 دولة، حيث جاءت الدولة في المرتبة العاشرة عالمياً، وحققت مراكز متقدمة في عدة مؤشرات فرعية مثل العطاء والكرم (المركز الثاني عالمياً)، فرص النمو الاقتصادي المستقبلية (المركز الثالث)، والتأثير الدبلوماسي (المركز الثامن).
هذه النتائج لا تعكس فقط صورة ذهنيةً إيجابية، بل تثبت أن الإمارات باتت شريكاً دولياً موثوقاً في عدة مجالات مؤثرة، منها الاقتصادي والثقافي والإنساني.
كان تنويع الاقتصاد جزءاً لا يتجزأ من القوة الناعمة، فقد لعب قطاع السياحة دوراً أساسياً في تأكيد مكانة الإمارات كوجهة تجذب الزوّار من كل مكان، ففي 2023 مثلاً، ساهمت السياحة بنحو 12% من إجمالي الناتج المحلي ووفّرت أكثر من 809000 وظيفة في القطاع، ما يؤكد قدرتها على خلق فرص اقتصادية حقيقية على الأرض.
وفي دبي وحدها، سجّل عدد الزوار حوالي 9.88 مليون زائر خلال النصف الأول من 2025، في مؤشر قوي على مكانة الإمارات كوجهة عالمية للسياحة والفعاليات والاقتصاد المعرفي.
لم تقتصر قوة الإمارات على الأرقام الاقتصادية، بل امتّدت إلى الدبلوماسية الهادئة والشراكات الاستراتيجية، التي أبرمتها الدولة مع مختلف دول العالم عبر التعاون الاقتصادي والثقافي والإنساني. وقد لعب هذا الأسلوب المتوازن دوراً مهماً في تعزيز ثقة المجتمع الدولي بنموذج الإمارات التنموي.
كما عزّزت الإمارات صورتها من خلال المشاريع الثقافية الكبرى، والمبادرات الإنسانية، والمنصات العالمية للتعاون، وجعلتها موطناً للتعددية والتنوع، وهو ما يعكس قيماً إنسانية تُترجم إلى واقع ملموس.
إدراكاً منها أن القوة الناعمة ليست هدفاً يتم الوصول إليه بل عملية مستمرة، عملت الإمارات على تحديث سياساتها، وقياس أداء مؤسساتها، وتطوير مواردها البشرية، والربط المتواصل بين الإنجاز والقيم الإنسانية، مما جعل من هذه القوة رصيداً دائماً يُبنى عليه ولا ينضب.
*كاتبة إماراتية
إقرأ المزيد


