جريدة الإتحاد - 2/27/2026 10:36:42 PM - GMT (+4 )
في عالمٍ يضج بالاستهلاك والمظاهر، يأتي الصوم ليطرح سؤالاً جوهرياً على النفس البشرية: هل نحن مجرد أجساد تقتات على المادة، أم أرواحٌ تصبو إلى التحرر؟ إن الصوم في حقيقته ليس مجرد انقطاعٍ مادي عن الطعام والشراب، بل هو مدرسة لتربية الباطن وتزكية النفس، وتحرير للإرادة من أسر الشهوات كي تعود إلى خالقها طائعة مطمئنة. إن الصوم المقبول هو صوم «النيّة والسريرة» قبل أن يكون صوم «المعدة والظهيرة».
فكلما تقلصت مساحة الاستعراض الاجتماعي واتسعت مساحة الصدق مع الله والنفس، ازداد الصوم أثراً ونوراً وقبولاً. إنه الفعل الذي يذكّر الإنسان بأن حاجاته الكبرى ليست مادية فحسب، فكما تتغذى الأجساد بالطعام، تتغذى الأرواح بالتقوى والصدق والعدل. لكي يتحول الصيام من عادة اجتماعية إلى عبادة روحية ترضي الله وتخدم الإنسانية، لابد من توفر عشرة شروط عملية وروحية للعبور من «الشكل» إلى «الجوهر»: إخلاص النيّة: أن يكون الصوم طلباً لوجه الله وحده، بعيداً عن طلب الوجاهة الاجتماعية أو نيل إعجاب المحيطين. صدق العهد مع النفس: العيش بوضوح داخلي والابتعاد عن خداع الذات، فالتدين الحقيقي يبدأ بصدق الإنسان مع نفسه.
كفّ الأذى: لا معنى لصومٍ يُصان فيه الفم عن الطعام ولا يُصان عن إيذاء الناس بالقول أو الفعل. محاسبة النفس في الخفاء: استحضار رقابة الله الذي يرى ما نسعى لإخفائه عن الناس، ومواجهة الذات بعيوبها. ممارسة العدل: الصوم المقبول يفيض إنصافاً في المعاملات اليومية، سواء في محيط الأسرة أو العمل، وإعطاء كل ذي حق حقه. الرفق والرحمة: إن ألم الجوع يجب أن يوقظ فينا الإحساس بآلام الآخرين، فمن لم يرقّ حاله لضعيف أو محتاج، فقد فاتته الحكمة الكبرى من الصوم. السمو عن التكلّف: ممارسة الشعائر بوقار ورفع الدعاء بلا نفاق، والتقرب من الخالق بسكينة القلب بعيداً عن صخب المظاهر. نبذ الإسراف: التبذير في الموائد يبدد الروحانية التي يبنيها الصوم، فالصوم دعوة للزهد والاعتدال لا للمغالاة. التركيز على الغاية لا الوسيلة: إدراك أن الامتناع عن المباحات هو «اختبار»، والغاية الحقيقية هي إصلاح القلب وتوجيهه نحو الحق.
إنكار الذات والانضباط: الإخلاص هو ما يجعل «السرّ» أعظم من «العلن»، فإذا كان الصوم يزيدك غضباً أو تسلطاً، فثمة خلل عميق في الطريق. من أروع ما قيل عن الصوم هو كلمات السيد المسيح حين علم تلاميذه: «وَمَتَى صُمْتُمْ فَلَا تَكُونُوا عَابِسِينَ كَالْمُرَائِينَ، فَإِنَّهُمْ يُغَيِّرُونَ وُجُوهَهُمْ لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ صَائِمِينَ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ.» (مت 6: 16).
تتجلى علامات الصوم المقبول في سكينة النفس التي لا تنهار أمام المستفزات، وفي رحابة الصدر التي تتسع للمخطئين بلطف. الصائم الحق يهرب من تحويل هذه الفريضة إلى «سباق مظاهر» وصور للموائد أو تفاخر بالأوراد، ولا يتخذ من الجوع عذراً للإساءة أو الكسل. إن الصوم المقبول هو إخلاصٌ يورث تواضعاً، وكفُّ أذى يورث عدلاً، ورحمةٌ تترجم عوناً للناس، وذكرٌ يُثمر سكينةً مستمرة. فالميزان في النهاية ليس في عدد الساعات التي قضيتها ممتنعاً عن الطعام، بل في مدى قدرتك على التغيّر نحو الحق والخير.
إقرأ المزيد


