جريدة الإتحاد - 2/27/2026 11:32:44 PM - GMT (+4 )
عقدت مؤخراً «إيباك» كبرى المنظمات اليهودية في العالم مؤتمرها السنوي في واشنطن وفق جدول أعمال محدد ركز فيه على جمع أكبر قدر من جماعات الضغط المؤيدة للجانب الإسرائيلي في العالم، ومطلقاً رسالة دعم دفاعاً عن أمن إسرائيل، وبصرف النظر عن التقييم لفعاليات «إيباك» هذا العام فإنّ اللوبي اليهودي ما زال قوياً في الأوساط الأميركية وإنّه يقف حائط صد في مواجهة أي انتقادات تقف في مواجهة المصالح الإسرائيلية في العالم، أو من يريد المساس بها، وفي ظل معادلة رئيسه تتجاوز ما هو معروف عن هذا اللوبي الداعم لإسرائيل، وبرغم وجود جماعات ضغط أخرى في الأوساط الأميركية وأشهرها لوبي «جي ستريت»، والتي تعمل كجماعة ضغط موالية لإسرائيل وموالية للسلام، وتهدف إلى تعزيز حل الدولتين، وتنتقد سياسات الاستيطان والتوجهات اليمينية الإسرائيلية، متبنيةً نهجاً دبلوماسياً يختلف عن لوبي«إيباك» التقليدي إلا أنهما يعملان ضد من يناوئ السياسات الأميركية في العالم بل والدخول في مواجهات مفتوحة لمن يريد أن يتعامل مع إسرائيل كدولة عدو.
في المقابل ترفع حركة «ماجا» الأميركية التي جاءت مع الرئيس ترامب شعار أميركا فوق العالم، وأن العالم في حاجة لأميركا، والتي يجب أن تكون على رأس النظام الدولي، وفي وجه كل السياسات التي تناوئ العداء أو تصارع على مكانة وقيادة العالم، وهو ما يدفع بحركة «ماجا» لتغيير العالم الراهن وبناء مقاربة أميركية لإدارة المخاطر والتحديات التي تواجه الأمة الأميركية في ظل ما يجري من تحولات في بنية النظام الدولي، ولهذا تحولت «ماجا» إلى حركة وعقيدة يمينية تدافع عن المصالح العليا للأمة الأميركية في مواجهة القوى المناوئة ومنها دول مثل الصين وروسيا ودول الاتحاد الأوروبي وفي الداخل الأميركي حيث المؤسسات التقليدية العقيمة وفق رؤيتها. ومن ثم فإن أي تعاملات يجب أن ترتبط بمعادلة محددة تقوم على حسابات المكسب والخسارة والنفقة والتكلفة والعائد، وبرغم ذلك فلا زال الجناح التقليدي والمحافظ دينياً في الحركة يدعم إسرائيل بقوة، وهو ما يمثله السفير الأميركي الحالي لدى إسرائيل مايك هاكابي، الذي صرح بأن «إسرائيل تمتلك حقاً إلهياً في أراضيها».
ولهذا فإن «ماجا» لا تريد لجماعات الضغط الموجودة بما فيها «إيباك» أن تتدخل في السياسات الأميركية بما في ذلك التعامل مع اليهود في العالم وإسرائيل خير مثال لهذا الأمر. وفي ظل حسابات معقدة تدافع عن المصالح الأميركية، وتقف في مواجهة أي طرف سواء أكان شريكاً أم حليفاً، وهو ما يكشف بعمق عما يجري في تحركات «ماجا» نحو العالم وإعادة بناء استراتيجية التعامل.
وفي المقابل تقوم «إيباك» بالترويج للسياسات الإسرائيلية الراهنة بصرف النظر عن أن إسرائيل دولة مدعومة أميركياً ولا خلاف بشأنها في الدوائر الفيدرالية بل وفي الحزبين «الجمهوري» و«الديمقراطي»، واللافت أن عناصر «ماجا» كانوا يقفون تقليدياً جنباً إلى جنب مع إسرائيل من منطلق التوافق الأيديولوجي أو النبوءات الإنجيلية.
وبينما تمثل «إيباك» المؤسسة التقليدية التي تضمن استقرار الدعم المالي والعسكري الرسمي لإسرائيل، تمثل «ماجا» قوة متغيرة قد تكون داعمة بقوة في عهد ترامب، لكنها تحمل بذور التحول نحو الانعزالية. ومن ثم فإن إسرائيل ستظل برغم تحركات «ماجا» والجماعات اليمينية المختلفة – مهمة للشأن الأميركي خاصة وأن الارتباط هيكلي ومفصلي لنمط التحالف أو بناء الشراكات الأمنية والاستراتيجية التي تحتاج إلى دعم وليس تخفيف العبء، وما يجري في العالم بالنسبة لحركة «ماجا» واليمين الإسرائيلي، لا ينطبق على إسرائيل كدولة حليفة يمكن أن تستمر معها أنماط التعاون لسنوات طويلة، ويرتبط هذا التوجه بسلوك مؤسسي يجمع بين الأيديولوجية المشتركة والبناءات ذات التعاون الواحد، وبرغم أن «ماجا» تتحرك في دوائر أوروبية، وتريد تفكيك أنماط التحالفات التقليدية للدخول في أنماط جديدة من العلاقات غير المقيدة.
وبما أن حركة «ماجا» تدعو إلى أن تكون أميركا عظيمة مجدداً هي بالأساس حركة مناهضة للواقع الراهن داخل الولايات المتحدة، قد فقدت ثقتها بالمؤسسات الأميركية، ولهذا فإن الكثيرين داخلها يرون أن قضية إسرائيل مرتبطة بأعضاء الحزبين السياسيين، حيث تحظى إسرائيل بدعم قوي من أعضاء الكونجرس. ومن ثم فإنّ أي شراكة خارج أطر التعامل الأميركي الإسرائيلي تسوى في سياق محدد ومن دون أي تباينات حقيقية أو خلافات يمكن أن تؤثر على ما يجري في العالم بما في ذلك جماعات اليمين الأوروبية التي بدأت في التعامل مع حركة «ماجا» كحركة سياسية تحمل عقيدة محددة للدفاع عن الأمة الأميركية ومصالحها، وهو ما تدركه إسرائيل، بل ودول الاتحاد الأوروبي، وتتخوف من تأثيراته المفتوحة على استقرارها وأنماط تعاملها بل واحتمال تدخل «ماجا» في تغيير أنظمة الحكم الأوروبية، وهو ما لا ينطبق علي الحالة الإسرائيلية التي تتعامل وفق خيار الشريك الدائم الذي لا يمكن تجاوز مصالحه بل والدفاع عن استقراره مع الالتزام بأمن الدولة العبرية في دوائر الحكم الأميركي.
ولهذا ستظل جماعات الضغط أياً كانت توجهاتها مثال «إيباك»، أو «ماجا» تعمل في سياق من تطورات محكمة، ومنضبطة دفاعاً عن مصالحها الكبرى في البيئة الأميركية المعقدة، والتي تسمح مع ولاية الرئيس ترامب بكسر كل القيود وحسم كل الخيارات، لتبقى أميركا أولاً على رأس النظام الدولي، مع إقصاء وشيطنة أي طرف يهدد مكانة أميركا في النظام الدولي وعدم المساس بالعلاقات مع إسرائيل.
*أكاديمي متخصص في الشؤون الاستراتيجية.
إقرأ المزيد


