الإمارات اليوم - 3/2/2026 4:10:08 AM - GMT (+4 )
أكد القضاء الإماراتي أن حماية الخصوصية والكرامة الإنسانية في الدولة لا تقف عند حدود الجغرافيا، ولا تتراجع أمام كيانات رقمية عابرة للقارات، بعدما أرست إحدى محاكم الدولة مبدأ قضائياً مهماً يقضي بمسؤولية شركة محلية تابعة لمنصة عالمية عن إدارة المحتوى المرتبط بها داخل الدولة، وإلزامها بالامتثال للأحكام الصادرة بحذف محتوى مسيء.
وتعود تفاصيل القضية إلى نشر مقطع فيديو على منصة عالمية مسيء لامرأة مقيمة في الدولة، تقدمت على إثره ببلاغ رسمي أسفر عن ضبط الشخص الذي نشر المحتوى، واتخاذ الإجراءات القانونية بحقه، غير أن الضرر المعنوي لم يتوقف عند معاقبة الفاعل، إذ بقي الفيديو متداولاً على المنصة، ما دفع المجني عليها إلى مخاطبة إحدى أشهر شركات محركات البحث لطلب حذف المحتوى، لكنها لم تتلق استجابة، فتوجهت إلى القضاء، الذي أنذر الشركة باعتبارها الجهة المسؤولة عن المنصة داخل الدولة، وفي بداية النزاع دفعت الشركة بعدم مسؤوليتها، مؤكدة أنها ليست المالكة المباشرة للمنصة.
وبعد نظر الدعوى على درجتي التقاضي، رسخت المحكمة مبدأ مسؤولية الكيان المحلي التابع للشركة الأم عن الامتثال للأحكام القضائية الصادرة داخل الدولة، وانتهت إلى إلزامه بحذف الفيديو.
وبعد صدور الحكم الابتدائي وتأييده استئنافياً، امتثلت الشركة للحكم وأزالت المحتوى المسيء.
وأكد باحث في القانون الرقمي، الدكتور عمار الأصبحي، أن القضاء الإماراتي رسخ مبدأ حماية الكرامة الإنسانية في الفضاء الرقمي، بعد تدخله لحماية المرأة من الإساءة عبر إحدى المنصات العالمية، مشيراً إلى أن الأحكام الصادرة عكست توجهاً واضحاً بتحميل الكيانات المحلية التابعة للشركات التقنية مسؤولية الامتثال للقانون داخل الدولة.
وقال خلال حديثه في «بودكاست غافة»، إن الواقعة تمثل نموذجاً عملياً على تفاعل القضاء مع قضايا الإساءة الرقمية، موضحاً أن الإجراءات القانونية طالت ناشر المحتوى المسيء، إلا أن بقاء المادة متداولة على المنصة شكل امتداداً للضرر، ما استدعى تدخل القضاء لإلزام الجهة المرتبطة بالمنصة بحذفها.
وأوضح أن القضاء الإماراتي «لم يتعامل مع المسألة بوصفها نزاعاً تقنياً، بل باعتبارها قضية تمس الكرامة الإنسانية»، مؤكداً أن «وجود كيان قانوني للشركة داخل الدولة يرتب عليها التزاماً بتنفيذ الأحكام حتى إن كانت إدارة المنصة أو خوادمها خارج الحدود».
وتطرق الأصبحي إلى مفهوم «الحق في النسيان الرقمي»، معتبراً أنه أحد أبرز المفاهيم التي أفرزها التداخل بين التكنولوجيا والقانون، ويمنح الأفراد إمكانية طلب إزالة بيانات أو روابط لم تعد ملائمة، أو تمثل انتهاكاً لخصوصيتهم، أو انتهى الغرض من معالجتها.
وأشار إلى أن حجم البيانات في العالم الرقمي يقدر بنحو 100 مليون زيتابايت، ما يجعل الإنترنت ذاكرة شبه أبدية، تختلف عن الذاكرة البشرية التي تنسى بمرور الزمن، موضحاً أن «الإنسان قد تتغير أفكاره ومواقفه مع النضج، لكن ما نشره في مرحلة سابقة قد يبقى مرتبطاً باسمه لسنوات طويلة عبر نتائج البحث».
وبين أن الموازنة بين الحق في النسيان وحرية التعبير تخضع لمعايير دقيقة، من بينها عامل الزمن، وطبيعة الشخص المعني، وما إذا كان شخصية عامة أم فرداً عادياً.
وينظم قانون حماية البيانات الشخصية في الدولة، بموجب المادة (15)، حق تصحيح أو محو البيانات الشخصية، إذ يمنح صاحب البيانات صلاحية طلب تصحيح بياناته غير الدقيقة أو استكمالها دون تأخير غير مبرر، كما أجاز له طلب محو بياناته متى انتفى الغرض الذي جمعت أو عولجت من أجله، أو إذا عدل عن الموافقة التي استندت إليها المعالجة، أو اعترض عليها ولم تتوافر أسباب مشروعة تبرر استمرارها، أو إذا ثبت أن المعالجة تمت بالمخالفة للتشريعات السارية وكان المحو لازماً للامتثال القانوني.
وفي المقابل، وضع القانون ضوابط وحدد حالات لا يجوز فيها الاستجابة لطلب المحو، من بينها ما يتعلق بحماية الصحة العامة، أو ما قد يؤثر في إجراءات التحقيق والمطالبة بالحقوق والدعاوى القضائية أو الدفاع عنها، أو ما يتعارض مع تشريعات أخرى نافذة، إضافة إلى أي حالات أخرى تنص عليها اللائحة التنفيذية.
وأكد الأصبحي أن محركات البحث أصبحت اليوم نقطة الفصل الأولى في طلبات «النسيان الرقمي»، حيث تخضع الطلبات لتقييم قانوني يستند إلى معايير محددة، وفي حال عدم الاستجابة، يبقى القضاء الجهة النهائية المختصة بالموازنة بين الحق في الخصوصية وحرية التعبير.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news
إقرأ المزيد


