جريدة الإتحاد - 3/4/2026 3:01:13 AM - GMT (+4 )
في إحدى مشاركاتي في معرض فرانكفورت للكتاب، وبينما كنت جالساً في الساحة الخارجية لأحد مطاعم الدونر المطلّة على ضفاف نهر الماين، استأذن ثلاثة شبان ألمان أن يجلسوا بجانبي، وأثناء حوارنا وتبادلنا أطراف الحديث، علموا أني من دولة الإمارات، وهنا تطرق أحدهم إلى أنه كان يخطط لزيارة جامع الشيخ زايد الكبير، لكن حال دون ذلك انتهاء صلاحية جواز سفر شريكته. وحين عرّفتهم بنفسي، ابتسم قائلاً: «يا لها من مصادفة جميلة»، ودعوته إلى زيارة الجامع للحصول على جولة خاصة.لم تكن تلك اللحظة التي حدثت بعيداً عن الوطن مجرد لحظة عابرة، بل دليلاً على أن الجامع أصبح رمزاً عالمياً، يُذكر أينما ذُكرت دولة الإمارات، تماماً كما تُذكر معالم كبرى حول العالم، ما يؤكد أن رسالة الجامع تخطّت المحيط الجغرافي ووصلت إلى القلوب.
وفي كل محاضرة ألقيها، كنت أسأل الحضور عن زيارتهم للجامع، وتعلو الأيادي دائماً مع كلمات الإعجاب. غير أن أكثر اللحظات العالقة في ذاكرتي تأثيراً، كانت عندما ألقيتُ محاضرةً في جامعة موسكو الحكومية، يومها لم أطرح سؤالي المعتاد، ظناً مني أن طلاب الجامعة الحاضرين لم يسافروا كونهم في مقتبل العمر، لكنّ المفاجأة كانت عندما رفع غالبيتهم أيديهم، بعد أن سألهم مدير الجلسة عن زيارة جامع الشيخ زايد الكبير.
هذا الانتشار لم يكن مصادفة، بل ثمرة رؤية واضحة من قيادة دولة الإمارات، لخلق سرد إيجابي محلياً وعالمياً، يظهر أن الجامع بالإضافة لكونه مكاناً للعبادة، أصبح مركزاً ثقافياً ذا حضور عالمي، واستشهد هنا بالحوار الذي دار بيني وبين مسؤول من دولة عربية مجاورة على منصة مركز جامع الشيخ زايد الكبير في معرض أبوظبي للكتاب، حيث أبدى إعجابه بالجامع والرسائل التي يبثها، ذاكراً أن دولة الإمارات أحيت هذا الصرح وبثت الروح فيه، من خلال الفعاليات والبرامج التي جعلته مختلفاً عن دور العبادة الأخرى.
لقد نجح المركز، عبر توظيف أدوات القوة الناعمة، في تحويل الجامع إلى وجهة ثقافية عالمية رائدة، يتمتع بحضور قوي في أربعة متاحف عالمية، وأكثر من أربع وعشرين سفارة من سفارات الدولة حول العالم، من خلال مجسّمات الجامع، ومعارض الصور المصاحبة.
لقد أراد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، أن يكون الجامع فضاءً للحوار والإنسانية، ومركزاً يعكس قيم الإسلام الأصيلة: التسامح والرحمة والسلام، تلتقي في تصميمه ثقافات العالم، فيشعر كل من يزوره بأنه ينتمي لهذا المكان، وعلى هذا النهج سارت القيادة الرشيدة وفتحت أبواب الجامع للضيوف باختلاف ثقافاتهم ومشاربهم، ليستمعوا ويتأملوا ويتعرّفوا إلى رسالة حضارية تجمع الناس على المحبة والاحترام.
*كاتب إماراتي
إقرأ المزيد


