جريدة الإتحاد - 3/7/2026 2:38:26 AM - GMT (+4 )
أبوظبي (الاتحاد)
استندت رؤية تصميم متحف التاريخ الطبيعي أبوظبي إلى ذكرى شخصية عميقة عاشها المعماري نونو فونتارا في طفولته، عندما كان يستكشف الصخور المدّية في «بورتو» بالبرتغال، مشَكلةً فهمه لكيفية تفاعل الإنسان مع الطبيعة بوصفها مساحة للكشف والمغامرة، ومنه ترجمت الشركة المصممة «ميكانو» ذاكرة المحاكاة البيئية عبر إدراك عمق السياق الثقافي للبيئة الطبيعية في أبوظبي، مستلهمة روح الوادي، ليس فقط كقناة مائية موسمية، بل كبنية طبيعية ترسم الحركة والحياة والاتجاه في الصحراء.
وجاء متحف التاريخ الطبيعي أبوظبي بمثابة تكوين صخري ممتدّ على مساحة تتجاوز 35 ألف متر مربع، يقف على العتبة بين اليابسة والبحر، حيث يتجذّر المبنى في رمال الصحراء، وينفتح في الوقت نفسه على الخليج، ليقود الزائرين عبر فضاءات تتغيّر إيقاعياً كما يتغيّر المدّ والجزر، وتستحضر في تشكيلاتها تضاريس الوادي المنحوتة عبر الزمن.
التكامل المعماري
وبالنسبة للتكامل المعماري مع الطبيعة في مفهوم المتحف، فإنه لا يُنظر إلى المبنى ككتلة معمارية موضوعة فوق الأرض، بل كجزء منها، مسكنٌ منسوج في البيئة الطبيعية، يكشف استمرارية الصحراء والصخور والوادي والبحر كمنظومة واحدة تنتمي إليها تجربة الاكتشاف. ويظهر النسق الهندسي كعنصر رئيس في التصميم، حيث تتكرّر الأشكال الخماسية المستوحاة من البُنى الخلوية في الطبيعة، كما يحتلّ الماء والنباتات دوراً محورياً في التكوين المعماري، بوصفهما رمزَيْن أساسيَّيْن للحياة في البيئة الصحراوية.
يعتمد المبنى على نهج معياري (Modular) يسمح بالتطوّر مع مرور الوقت، تماماً كالبُنى الخلوية التي ينمو منها الإلهام المعماري. ما يتيح هذا النهج إضافة مساحات جديدة أو تطوير وظائف داخلية بسهولة، بما يستوعب المتطلبات المستقبلية والتقنيات المتقدّمة من دون الإخلال بالهوية الأصلية للمبنى.
الثقافة المحلية
استلهم التصميم النهائي روح الوادي العمراني، الذي يشجّع على الحركة والاكتشاف، ويعكس في الوقت نفسه أنماط الحياة في أبوظبي. صمّمت «ميكانو» مسارين رئيسيين للحركة يسمحان للجمهور بالتنقّل بحرية بين كتل المبنى المختلفة واستكشاف الواجهة البحرية. وبفضل وفرة المساحات العامة التي يوفّرها المبنى، تحوّل المتحف إلى نقطة التقاء مجتمعية حقيقية. وعند الغروب، يتيح المكان للزائرين الاستمتاع بجولات هادئة، في تجربة تنسجم مع العادات والسلوكيات المحلية، وتخلق فضاءً يشعر فيه الناس بالألفة والارتباط.
مشهد طبيعي
أبرز ما يميّز المتحف معمارياً هو نظام الحدائق المعلّقة، الذي يحوّل المبنى إلى مشهد طبيعي حيّ يمتزج فيه العمران بالمساحات العامة والعناصر البيئية. تشكّل هذه الحدائق طبقات خضراء تتدرّج على الواجهات والبُنى، لتجعل من المتحف كياناً نابضاً يرتبط بالبيئة المحيطة بدلاً من أن يكون منفصلاً عنها.
تُحوّل الحدائق المعلّقة المتحف إلى مساحة متغيّرة ومتفاعلة، حيث يصبح المبنى جزءاً من البيئة الطبيعية، وتصبح الطبيعة جزءاً من مسارات الحركة في المبنى. يخلق هذا الاندماج تجربة غامرة للزوّار، تجعل كل خطوة بمثابة رحلة استكشاف، وتمنح كل شخص دور «العالِم» الذي يكتشف طبقات جديدة من القصة التي يرويها المكان.
إقرأ المزيد



