أيلاف - 3/8/2026 3:57:58 AM - GMT (+4 )
إيلاف من برلين: بين أروقة السياسة الألمانية وساحات العمل الحقوقي الميداني، يبرز اسم كريمة بنبراهيم كأحد أهم المراجع في تفكيك بنى العنصرية والتمييز. هي ليست مجرد خبيرة أكاديمية، بل هي ابنة تجربة حية صقلتها التحديات في المجتمع الألماني.
يرى كثيرون أن الإنسان هو نتاج بيئته، وبالنسبة لكريمة بنبراهيم، كانت البيئة الألمانية في شبابها هي المختبر الأول الذي تشكل فيه وعيها السياسي والحقوقي.
تتذكر الناشطة النسوية كريمة بنبراهيم تلك البدايات قائلة لـ DW عربية: "أدركتُ مبكراً أن الاختلاف والإقصاء والحواجز والعقبات جزءٌ من تجربتي، لكنها أيضاً مصادر قوة. وبسبب خلفية والديّ المهاجرة (من المغرب)، كان عليّ التغلب على العديد من الصعوبات، لكنني كنتُ أستمد الكثير من القوة من المجتمعات التي كنتُ ناشطة فيها، ومن دعم عائلتي".
تعلمت الدفاع عن نفسي في الحياة اليومية
أجواء عاشتها بنبراهيم، مديرة مركز التوثيق والمعلومات لمناهضة العنصرية بولاية شمال الراين ويستفاليا IDA-NRW، غيّرت فهمها السياسي، إذ تقول "تعلّمتُ الدفاع عن نفسي في الحياة اليومية، والاعتزاز بهويتي، وبشعور الانتماء الذي يمكن أن يتطور رغم كل الإقصاء". وتشير إلى أن "تجربة العنف العنصري في التسعينيات، وخاصة في هويرسفيردا وروستوك-ليشتنهاغن، كانت مؤثرةً للغاية بالنسبة لي".
وتضيف "خلال تلك الفترة، أصبح من الواضح بشكلٍ مؤلم أن المهاجرين والأشخاص المنتمين إلى أقليات عرقية لا يمكن إقصاؤهم فحسب، بل يمكن أيضاً تهديدهم والاعتداء عليهم. أدركتُ مبكراً من هذا الواقع الاجتماعي مدى هشاشة الانتماء بالنسبة للكثيرين منا، وأنني لستُ جزءاً تلقائياً من هذا المجتمع".
كان لطفولة كريمة بنبراهيم أثر كبير على اختياراتها الأكاديمية والمهنية واختارت أن تكون صوتا ضد العنصرية. المسار لم يكن سهلا، بل كان مليئا بالعقبات التي تواجه ذوي الأصول المهاجرة.
وعن كيفية تجاوزها، تضيف بنبراهيم: "وظّفتُ هذه التجارب بوعي في مسيرتي التعليمية. فالتحديات التي ربما كانت لتُثبط عزيمة الآخرين أصبحت دافعا بالنسبة لي، لقد أظهرت لي أن التغيير ممكنٌ عندما تُسلَّط الأضواء على الظلم وعدم المساواة، وعندما يعمل المرء بجدٍّ ضد العنصرية".
وتقول "تركيزي المهني على مناهضة العنصرية وتمكين الأفراد ليس مجرد مسار وظيفي، بل هو موقف سياسي ينبع من تجاربي الشخصية، ويُفسح المجال في الوقت نفسه لوجهات نظر وأصوات أخرى. إنه يتعلق بتحويل التجارب إلى معرفة، وتحليل هياكل السلطة، وإحداث تغيير ملموس".
المهاجرون: معركة ضد "التمييز المركب"
تنتقل بنبراهيم في حديثها إلى قضية جوهرية تتعلق بوضعية المرأة المهاجرة في ألمانيا اليوم، حيث تصفها بأنها تواجه ما يسمى بـ "التمييز المركب". وتوضح لـ DW عربية: "من واقع تجربتي، لا يزال وضع المهاجرين في ألمانيا مُلتبساً: فمن جهة، هناك تقدم وقصص نجاح فردية، ومن جهة أخرى، هناك عوائق هيكلية تُحدّ بشدة من فرص الارتقاء الاجتماعي".
وترى بنبراهيم أن "التمييز المركب" الذي يتقاطع فيه النوع الاجتماعي والهجرة والدين والطبقة الاجتماعية، يظل قائما في المدارس والتدريب المهني وسوق العمل والمؤسسات. فالعديد من المهاجرين مؤهلون تأهيلا عاليا، لكنهم يواجهون التشكيك في مهاراتهم أو عدم تقديرها بالشكل الكافي. ويواجهون آليات إقصاء خفية، كالتوقعات النمطية، ونقص التمثيل في المناصب القيادية".
تأثير العنصرية على النساء
يبقى العمل المنزلي، الذي غالبا ما تقوم به النساء، غير معترف به كمجهود حسب كريمة، ولا يُقدّر اقتصاديا بالشكل الكافي، مما يُفاقم اللا مساواة، ويعني أن نقاش "الأجر المتساوي" له تأثير محدود على العديد من النساء المهاجرات، لأن عملهن لا يُعترف به على أنه مكافئ. صحيح أن فرص التقدم موجودة، لكنها غالبا لا تكون نتيجة تكافؤ الفرص، بل نتيجة أداء استثنائي ومثابرة واستراتيجيات فردية تتجاوز ما يعتبره الآخرون أمرا مفروغا منه.
غالباً ما تبقى وعود المساواة مجرد كلمات جوفاء ما لم تتغير الظروف الهيكلية بالنسبة إلى بنبراهيم، وهو ما "يظهر هذا حاجتنا إلى تدابير شاملة لا تقتصر على دعم المرأة فحسب، بل تتناول أيضاً بشكل صريح العوائق التي تحول دون تحقيق النساء المنتميات إلى أقليات عرقية أو دينية أو محرومات اجتماعيا لكامل إمكاناتهن. ويشمل ذلك إبراز أعمال الرعاية، ودفع أجور عادلة لهن، ودمجهن هيكليا في المسارات المهنية. التغيير ممكن، لكنه يتطلب إعادة نظر مؤسسية ووعيا مجتمعيا".
المجتمع الألماني بين "الانفتاح" وصعود اليمين المتطرف
في ظل التحولات السياسية الكبرى التي تشهدها أوروبا، تضع بنبراهيم إصبعها على الجرح فيما يخص مستقبل التعايش في ألمانيا. وبصفتها مديرة مركز التوثيق والمعلومات لمناهضة العنصرية بولاية شمال الراين ويستفاليا IDA-NRW، تقول: "العنصرية تنتعش بتصاعد المواقف الشعبوية واليمينية المتطرفة التي تستغل المخاوف عمدا وتُؤجّج الصراع بين الفئات الاجتماعية".
لكن في الوقت ذاته، ترى المتحدثة أنه في ألمانيا لدينا مجتمع مدني قوي ومبادرات عديدة ملتزمة بالتنوع والديمقراطية والتضامن. تعمل مؤسساتٌ مثل IDA-NRW مع شركاء عديدين لخلق مساحاتٍ للتفاعل والحوار والمشاركة النقدية "نحن منخرطون في نقاش مجتمعي حول المسار الذي ينبغي أن تسلكه ديمقراطيتنا. وسواءٌ ساد مزيدٌ من الانفتاح والقبول على المدى البعيد، أم ازداد نفوذ العزلة والإقصاء، فذلك يعتمد على مدى اتساق جهود السياسة والمجتمع المدني والإعلام في تعزيز القيم الديمقراطية وتشجيع الناس على المشاركة الفعّالة".
مشروع خاص في دوسلدورف لتحقيق أهدافها
وفي هذا السياق، تكشف بنبراهيم عن حماسها لمشروعها الخاص الجديد Space2share في مدينة دوسلدورف، والذي تراه امتداداً لرسالتها في تمكين المجتمع المحلي وخلق مساحات حوارية آمنة تتجاوز الصور النمطية.
وتصف مشروعها بأنه "عبارة عن مساحة عمل مشتركة ومجتمعية في دوسلدورف، وليس مجرد مساحة عمل بالنسبة لي، بل هو مساحة نخلقها بوعي للأشخاص الذين عانوا من التمييز، مكانٌ تُعطى فيه الأولوية للظهور والتمكين والتواصل. هنا، لا يُضطر أحد لتبرير رغبته في أن يُسمع صوته. يمكن للجميع تطوير أفكارهم، والنهوض بمشاريعهم، وبناء شبكات علاقات دون مواجهة أي عوائق يومية".
يقدم المشروع فعاليات متنوعة للأشخاص الذين عانوا من العنصرية، ولقاءات لمجتمع الشتات المغاربي، وقراءات، وبرامج بودكاست، وورش عمل. إنه حسب صاحبته "يتعلق بتنمية القدرات، وإسماع الصوت، واتخاذ الإجراءات". وتضيف "بالنسبة لي، Space2share هو مكان تتلاقى فيه المجتمعات، والآراء السياسية، والتعبير الإبداعي".
الهوية المتعددة لبناء المجتمع القوي
تتحدث كريمة بنبراهيم بفخر عن هويتها المركبة التي تجمع بين الانتماء المغربي والجنسية الألمانية والروح الحقوقية والأكاديمية. وتؤكد لـ DW: "بالنسبة لي، التعددية ليست مجرد مفهوم، بل تجربة معيشية".
أعيش هوياتي المتنوعة، مغربية أمازيغية، ألمانية، أكاديمية، وناشطة في مجال حقوق الإنسان في آن واحد وبوعي، دون فصلها أو ترتيبها هرميا، بل بربطها. كل هوية تُضفي وجهات نظر وخبرات ومهارات مختلفة تُثري بعضها بعضا". وتضيف: "أختبر التعددية كنهج متعدد الأبعاد يسمح لي بإسماع أصوات المهمشين وإحداث تغيير ملموس".
رسالة إلى "المهاجرات"
بمناسبة يوم المرأة العالمي، تختتم كريمة بنبراهيم حوارها برسالة ملهمة لكل فتاة تشعر بأنها غريبة في محيطها قائلة: "نصيحتي للنساء اللواتي يشعرن بتهميش أصواتهن بسبب خلفياتهن هي: انظرن لأنفسكن كخبيرات في تجاربكن الشخصية، واجعلن أنفسكن مرئيات. ابحثن عن حلفاء وابنين شبكات داعمة".
واعتبرت بنبراهيم أن القيادة النسائية في مكافحة الكراهية لها وصفة واضحة، تقوم على ثلاثة مبادئ أساسية: الشجاعة في الظهور، والتضامن والتعاطف فيما بيننا، والاستعداد للدفاع باستمرار عن كرامة الإنسان والمساواة، حتى في أصعب الظروف الاجتماعية". وتنهي المتحدثة كلامها الموجه للنساء قائلة "وجهة نظرك وتجاربك وصوتك قيّمة وجزء لا يتجزأ من هذا المجتمع الذي تنتمين إليه".
إقرأ المزيد


