جريدة الإتحاد - 3/17/2026 11:08:42 PM - GMT (+4 )
في كل أزمة تمر بها منطقتنا يرتفع صوت مألوف يهاجم دول الخليج لأنها اختارت التحالف مع الولايات المتحدة، ويلومها لأنها نسجت علاقات سياسية مع دول أخرى، وكأن السياسة في هذا العالم تُدار بالعواطف أو بالشعارات الثورية التي اعتدنا سماعها لعقود طويلة دون أن تنتج استقراراً أو قوة أو نهضة. والحقيقة أن كثيراً من هذه الأصوات لا تنطلق من فهم عميق لطبيعة النظام الدولي ولا من قراءة واقعية لموازين القوة، بل من جهل بالتوازنات الاستراتيجية أو من مزايدات خطابية لم تقدّم للعالم العربي سوى مزيد من الأزمات والانقسامات.
لقد كشفت الأحداث الأخيرة الكثير من الحقائق، وأسقطت كثيراً من الأقنعة. فعندما تتعرض دول الخليج لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وعندما تُستهدف مدنها وممراتها البحرية الحيوية، يصبح السؤال واضحاً: من يقف مع أمن هذه الدول واستقرارها، ومن يبرر الاعتداء عليها أو يصمت عنه أو حتى يصفق له؟
من يتأمل تاريخ العلاقة بين دول الخليج والعالم العربي يدرك أن هذه الدول لم تكن يوماً منغلقة على نفسها، بل كانت على الدوام ملاذاً مفتوحاً لكل عربي ضاقت به أرضه أو ضاقت به سبل العيش في بلده. فلا تكاد توجد جنسية عربية إلا ولها حضور في مدن الخليج، يعمل أبناؤها بكرامة، ويساهمون في بناء اقتصادات هذه الدول، كما تستفيد بلدانهم من الفرص الاقتصادية التي توفرها. وعندما تعثرت اقتصادات دول عربية أو ضربتها الأزمات، كانت دول الخليج دائماً في مقدمة من قدم الدعم المالي والاستثمارات والمساعدات الإنسانية.
وتشير التقديرات إلى أن المساعدات والاستثمارات الخليجية للدول العربية تجاوزت مئات المليارات من الدولارات خلال العقود الماضية، وهو ما جعل اقتصادات كاملة قادرة على الاستمرار في مواجهة أزماتها. ولم يكن ذلك منّةً من دول الخليج على أحد، فالأخوة العربية ليست تجارة ولا حساباً سياسياً، بل كانت دائماً تعبيراً عن مروءة عربية أصيلة وعن شعور بالمسؤولية تجاه الأشقاء. لكن المؤلم اليوم أن بعض الأصوات التي استفادت دولها من هذا الدعم هي نفسها التي تهاجم دول الخليج أو تتجاهل ما تتعرض له من اعتداءات مباشرة. إن التحالف مع الولايات المتحدة أو التعاون مع الدول الغربية لم يكن يوماً خياراً عاطفياً، بل قراراً استراتيجياً فرضته طبيعة النظام الدولي. فالقوة في عالم السياسة لا تقوم على الشعارات، بل على منظومة متكاملة من التحالفات والقدرات العسكرية والتكنولوجية.
والدول التي تسعى لحماية استقرارها لا تكتفي بتكديس السلاح، بل تبني منظومة ردع متقدمة تشمل الدفاع الجوي والصاروخي، والتكنولوجيا العسكرية الحديثة، والشراكات الاستراتيجية التي تمنع الخصوم من التفكير في الاعتداء قبل وقوعه. واليوم، ونحن نواجه تهديدات إيرانية مباشرة عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة، وعبر أذرعها المنتشرة في عدد من دول المنطقة في العراق وسوريا ولبنان واليمن، يتضح أكثر من أي وقت مضى أن امتلاك منظومات دفاعية متقدمة وشراكات استراتيجية قوية لم يكن ترفاً سياسياً، بل ضرورة وجودية لحماية الدولة واستقرارها. فالمشروع الإيراني في المنطقة لم يقم على بناء الدول بقدر ما قام على إنشاء ميليشيات موازية للدولة وإضعاف مؤسساتها، وهو ما أدخل عدداً من الدول العربية في دوامات صراع طويلة. ويكفي أن ننظر إلى ما حدث في عدد من الدول العربية خلال العقد الأخير.
فغياب منظومات الدفاع المتطورة وغياب التحالفات القادرة على حماية الدولة كان أحد الأسباب الرئيسية لانهيارها. سوريا، العراق، ليبيا، واليمن كلها دول امتلكت تسليحاً شرقياً، لكنها عندما دخلت في أزمات كبرى لم تستطع حماية مؤسساتها ولا استقرارها، فتحولت إلى ساحات صراع مفتوحة. الدرس هنا واضح: السلاح ليس مجرد أرقام أو مخازن، بل منظومة متكاملة من التكنولوجيا والردع والتحالفات التي تحمي الدولة وتمنع سقوطها قبل أن تبدأ المعركة. أما دول الخليج، فقد اختارت طريقاً مختلفاً؛ طريق بناء الدولة القوية القادرة على حماية شعبها واقتصادها ومكتسباتها، وفي الوقت ذاته الاستمرار في دعم الأشقاء والوقوف إلى جانبهم في الأزمات.
لكن هذه الحرب كشفت أيضاً حقيقة مؤلمة، وهي أن بعض من وقفنا معهم كالجبل في أصعب الظروف يقفون اليوم موقف المتفرج، أو يرفعون أصوات المزايدة بينما تتعرض هذه الدول للاعتداء. لقد كشفت هذه المواجهة الكثير من الحقائق، وأظهرت بوضوح الفرق بين من يتحدث عن العروبة في الخطب، ومن يترجمها في المواقف. فالدول التي تبني قوتها وتحمي نفسها وتنسج تحالفاتها بوعي هي الدول التي تضمن مستقبلها واستقرارها، أما الشعارات وحدها فلا تحمي دولة ولا تبني وطناً.
*لواء ركن طيار متقاعد
إقرأ المزيد


