درسٌ من الصين
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في الثقافة الصينية العامة ومأثورها العريق والضارب بجذوره في التاريخ، يُقال عن الشخص الذي يواجه الصعوبات، لكن لا يتراجع أمامها أياً كانت التحديات، بأنه «كمن يشرب عصير كبده». وتعود قصة ذلك القول إلى القرن الخامس قبل الميلاد، عندما مُنيَ الملك الصيني في ذلك الوقت «غوجيان» بهزيمة عسكرية فادحة نتيجة خطأ غير مقصود في الحسابات. يومها قرّر الملك معاقبة نفسه، حيث صنع لشخصه فراشاً من أعواد الخشب، وعلّق فوق رأسه كبداً يقطر عصيراً مراً.. كان يلعقه باستمرار في نوع من ممارسة العقاب الذاتي، أي النوم على أعواد خشبية حادة ولعق قطرات من السائل المرّ. منذ ذلك الوقت أصبح يُطلق في الصينية على العامل الفاشل عبارة «شي كيو»، أي شارب المرّ. وهو اليوم قول شائع في الثقافة الصينية.

يروي هذه القصة المؤرخ البريطاني «أورفيل شيل» في كتابه «الثروة والقوة.. مسيرة الصين الطويلة نحو القرن الحادي والعشرين». في هذه المسيرة التي أوصلت الصين إلى ما هي عليه اليوم من تقدّم علمي وتكنولوجي وازدهار اقتصادي وصناعي، كان عليها أن تتخذ قرارات أشبه ما تكون بابتلاع الحنظل أو قطرات العصير المرّ.

وربما من ذلك، على سبيل المثال، التخلي عن الثقافة الكونفوشيوسية التي تؤثر العائلةَ على الدولة، وتقدّم الأخلاقيات على الماديات، وتضع الطقوس التعبّدية فوق الالتزام بقواعد العمل. وبالفعل، فقد استبعدت الصين جانباً كبيراً من تعاليم كونفوشيوس، واعتمدت تعاليم فيلسوف صيني آخر مناقض له، يُدعى «هان فايزي». كان هذا الفيلسوف يقول: «إذا تمكّن القائد الحكيم من السيطرة على الثروة والقوة، فإنه يستطيع أن يحقّق كلّ شيء». وهو ما تبني عليه الصين الحالية أسس نهضتها الحديثة الناجحة.

لقد انتقلت الصين من الخضوع للسياسة البريطانية وهي سياسة أفضت بالبلاد ومجتمعها إلى حالة من الشلل والانهيار، نحو سياسة بناءِ القدرات العلمية والفكرية التي أوصلت الصين اليوم إلى موقع متقدّم جداً في لعبة الأمم الكبرى. لقد تذوّقت الصينُ طويلاً مرارةَ «شي كيو»، ودفعت ثمنَها غالياً جداً، إلى أن تجاوزتها بالانتقال من التبعية الاستسلامية إلى ما هي عليه اليوم كقوة عالمية كبرى تمثّل ثاني أكبر اقتصاد على وجه المعمورة.

لكن الانقلاب الصيني على تلك السياسة البريطانية أدّى إلى اشتعال حرب بريطانية صينية دامت عدة أعوام وذهب ضحيتها مئات الآلاف من المواطنين الصينيين. إنها «حرب الأفيون» التي أطلقتها الصين سعياً للحدّ من زراعة الأفيون واستيراده، مما حدا ببريطانيا آنذاك إلى الوقوف في وجهها، بغية الحفاظ على الأرباح الطائلة التي كانت تجنيها لندن من تجارة الأفيون في الصين. والآن تستقبل العاصمة الصينية بكين رئيسَ الحكومة البريطانية، وتعقد معه اتفاقَ تعاون بين ندّين «متكافئين»!

ما كانت الصين لتخرج من حالة الانهيار وتصل إلى العالمية التي هي عليها اليوم، كثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم، لو لم تصبر طويلاً على ممارسة سياسة «شي كيو»، إما نتيجة أحداث وتطورات داخلية، أو نتيجة لتدخلات خارجية سمحت بها اختلالات موازين القوة في حينها.

كانت الصين خلال ذلك العهد، أي قبل «حرب الأفيون»، منعزلة وغير قادرة على مواجهة التحدي الخارجي الجاثم على صدرها.. أما اليوم فقد تجاوزت حتى طريق الحرير.. وأصبحت أساطيلها التجارية منتشرة على أوسع مدى، بين قناتي السويس في الشرق الأوسط وقناة بنما في أميركا الجنوبية. إنها ثمرة فلسفة «الشي كيو».

*كاتب لبناني
 



إقرأ المزيد