جريدة الإتحاد - 4/3/2026 10:21:05 PM - GMT (+4 )
غالباً ما تحجب غيوم الحروب رؤية المتأمل، فلا يرى سوى الصراع الجيوسياسي التقليدي على النفوذ والموارد، بينما تغيب عنه طبقات أعمق يتشكل فيها النزاع الحقيقي: طبقة المفاهيم المؤسسة لوعي المجتمعات واتجاه الدول. فما من حرب تشتعل في الميدان إلا وتكون قد احتدمت أولاً في ميدان الفكر، حيث تتصارع الرؤى حول الدولة، والشرعية، والهوية، والأمن، والانتماء.
ومن هذا المنظور، فإن التصعيد العسكري غير المسبوق الذي شهدته المنطقة، والعدوان الإيراني الإرهابي، الذي لم يرعَ حقّ الجوار، ولا ذِمَام المشتركات الحضارية، ولا حتى المصالح الاستراتيجية، كل ذلك لا يمكن فهمه بمعزل عن التباين الجذري بين نموذجين: نموذج «الدولة الوطنية» الساعي لترسيخ الاستقرار، ونموذج «ولاية الفقيه» القائم بطبيعته على التأزيم المستمر.
فحين تُطلق دولة آلاف الصواريخ نحو بُنى تحتية مدنية، فإنها لا تعلن فقط عن ارتباكها العسكري، بل تكشف أيضاً عن إفلاس حضاري عميق وانهيار في منظومتها القيمية. وهنا تتجلى الحقيقة الأهم: هذا الصراع لا يُخاض بالسلاح وحده، بل بالمفاهيم التي تؤطره وتمنحه معناه. وأخطر المعارك ليست تلك التي تدور في الميدان، بل تلك التي تدور داخل الكلمات نفسها.
وفي صلب هذه المعركة يبرز مفهوم الدولة بوصفه خط الصدع الأكبر. فبينما تتبنى دول الخليج العربي، وفي مقدمتها الإمارات، نموذج الدولة الحديثة التي تقوم على السيادة الإقليمية، وحكم القانون، وبناء المؤسسات، وتحقيق التنمية المادية والبشرية، يقوم نموذج ولاية الفقيه على تصور طوباوي عابر للحدود، يجعل الولاء الأيديولوجي فوق الانتماء الوطني، ويحوّل الدولة إلى مجرد أداة في مشروع توسعي لا يعترف بحدود ولا بسيادات.
ويمتد هذا التباين إلى طبيعة الشرعية ذاتها. فهناك أنظمة تستمد مشروعيتها من التعبئة الدائمة، ومن اختلاق الأعداء، ومن إبقاء المجتمع في حالة استنفار وتأزيم. وهناك أنظمة تبني شرعيتها من الإنجاز: من تعليم يتحسن، وصحة تتطور، واقتصاد يتنوع، وفرص تتوسع، وشراكات استراتيجية تتعمق. الأول يعيش على الخوف، والثاني يترسّخ بالثقة.
يتجلى هذا التناقض بوضوح في الخطاب الموجه للمواطن، فالنموذج الأول يهمس في أذن مواطنه: «عدوك في الخارج هو سبب بؤسك، وأنا حارسك الأوحد منه». أما النموذج الثاني فيقول للمواطن بثقة: «رفاهك وأمنك وفرصك هي مسؤوليتي المباشرة أمامك». ولهذا يقاس الأول بمعياره الوحيد وهو الأعداء الذين اختلقهم والحروب التي أشعلها، بينما يُقيَّم الثاني بشواهده الملموسة من بنى تحتية مزدهرة، ومؤسسات فاعلة، وأجيال تسلحت بالعلم والمعرفة، ومجتمعاتٍ تسودها روح السكينة والأخوة.
ومن هنا، يصبح مفهوماً أن يرى نظام قائم على شرعية «العدو الخارجي» في نجاح جاره تهديداً وجودياً. فنجاحات دول الخليج العربية، بما حققته من استقرار وتنمية واعتدال، تفضح السردية التي يقتات عليها نظام الملالي، وتُسقط عملياً دعاواه الكبرى.
هذا التناقض العميق يصيب لغة الحوار الدبلوماسي بالشلل، جاعلاً من المصطلحات الدبلوماسية قوالب لفظية بلا معنى مشترك. فحين يُذكر «الأمن الإقليمي»، فهو يعني في القاموس الخليجي حدوداً آمنة ومستقرة، ومصالح محمية، ومعايش مستمرة، بينما يعني في قاموس طهران نفوذ الميليشيات وشرعنة الفوضى، وتحويل الدول إلى ساحات تابعة.
وفي قلب هذا التشوّه، تبرز مفاهيم أخرى كمفهوم الأمة، والجهاد، والولاء. لقد كانت هذه المفاهيم في جوهرها الأصيل أفقاً أخلاقياً نبيلاً، وأطراً للتضامن والمشترك الإنساني والوجداني بين المسلمين، وسِيَاجاً على السلم، وأدوات للحفاظ على الحياة، فانقلبت في الممارسة الإيرانية إلى بؤر للتناقض والتدمير.
فباسم هذه المفاهيم شُرْعِنَ بناء الميليشيات، وسُلِّحَت الفصائل الموازية للدول، وصار الرابط المذهبي سلاحاً للتوسع والهيمنة لضرب استقرار دول الجوار العربي.
ولا يمكن فصل هذا المشهد عن الدّعم الذي تقدمه الحركات الإسلاموية للعدوان الإيراني، حيث يتقاطع الطرفان عضوياً في عداء مستحكم للنموذج الوطني الخليجي، مما يجعل هذه الحركات حليفاً موضوعياً للمشروع الإيراني في سعيه لتفكيك البنى المؤسسية وتقويض السلم المجتمعي. وفي المقابل، تتمثل الرؤية الخليجية في إعادة مفهوم الأمة إلى مجاله الوجداني والتضامني، مع تثبيت سيادة الدولة الوطنية بوصفها الحارس الشرعي للفضاء السياسي والتدبيري. في رحاب النموذج الخليجي القائم على التنمية والقانون، تتناغم الهوية الثقافية والدينية مع عمق الانتماء الوطني والالتزام الصارم بالشراكة الإنسانية، بعيداً عن أوهام التوسع وحروب الوكالة.
لقد أفرز هذا المخاض الإقليمي تمايزاً حضارياً بين بنيتين ذهنيتين في العالم العربي نفسه:
من جهة، تبرز بنية مفاهيمية مُتَوَثِّبَة، استطاعت عبر وعي دقيق بآليات صناعة المفاهيم أن تترجم قيم الإسلام السمحة وأصالة التراث إلى حركة استئناف حضاري نشطة. هؤلاء هم «عرب المستقبل»، الذين أدركوا بعمقٍ التحولات الهيكلية في اقتصاد المعرفة والمهارات، فتحدثوا بلغة المشترك الإنساني الواعي، واندمجوا في مسار الحداثة دون تفريط في هويتهم، جاعلين من أوطانهم ورشات كبرى للتنمية والابتكار والعيش المشترك.
وفي المقابل المتناقض، تقبع بنية ذهنية أخرى أبَتْ إلا أن تُحَجِّر المفاهيم الدينية وتحرفها عن مقاصدها الكلية، محوّلةً إياها إلى قوالب أيديولوجية ميتة. وأولئك هم «عرب الماضي»، الذين يقتاتون على تغذية الوهم، وإنتاج الإحباط، وتوزيع الموت، عاجزين عن تقديم أي مشروع حضاري ملهم للحياة، ومكتفين باجترار سرديات المظلومية والحروب الصفرية التي تدمّر الحاضر وتقصي المستقبل.
غير أن كسب معركة المفاهيم لا يتحقق بمجرد الخطاب، ولا بالاكتفاء بفضح الأوهام، بل يتطلب سياسات ومشاريع مؤسسية تصنع بديلاً معرفياً وتنموياً حقيقياً، وتحوّل الاعتدال من قيمة مجردة إلى واقع معاش. ذلك هو ما أدركته دولة الإمارات العربية المتحدة قبل الجميع، فبادرت إلى بناء نموذج متقدم قائم على الاعتدال، والتسامح، والمواطنة الجامعة. وهو ما أثمر لها عند المحن صموداً أسطورياً أثار الدهشة وفرض الإعجاب. فتلك «المرونة المؤسسية» لم تكن وليدة اللحظة، بل هي ثمرة عقود من بناء الثقة بين الدولة والمواطن، وتنويع الاقتصاد، وترسيخ المؤسسات، والاستثمار في ما ينفع الناس ويمكث في الأرض.
خلاصة القول: إن المعركة الحقيقية اليوم هي معركة مفاهيم بامتياز. والمستقبل في المنطقة لم يعد يتسع للمشاريع العدمية العابرة للحدود، بل هو لمن يمتلك إرادة البناء، ويحمي الأوطان، ويقدم نموذجاً حضارياً يزاوج بين الأصالة والحداثة ضمن بيئة من التسامح والاستقرار. مستقبلٌ تُصاغ قواعده بمنطق التنمية والقانون، وتُحرس مكتسباته بعزيمةٍ لا تلين، تجسدها بكل جلاء مقولة سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الخارجية: «لن نُبتز أبدا من الإرهابيين»، فالدولة الوطنية هي الأبقى، ووهم الأيديولوجيا إلى زوال.
المحفوظ بن بيه*
*الأمين العام لمنتدى أبوظبي للسلم.
إقرأ المزيد


