جريدة الإتحاد - 4/3/2026 10:40:37 PM - GMT (+4 )
يطرح كثير من المراقبين اليوم، في المنطقة وخارجها، سؤالاً مشروعاً: كيف استطاعت الإمارات الصمود في مواجهة العدوان الإيراني المتصاعد - من طائرات مسيّرة وصواريخ باليستية تستهدف مناطق مدنية؟ بالنسبة لي، الإجابة ذات طابع شخصي، لأن قصة صمود هذا البلد تزامنت مع جزء من رحلتي الخاصة أيضاً.
تعود بي الذاكرة إلى عام 2005، العام الذي انتقلت فيه إلى الإمارات. كنت قد عُيّنت لتوّي رئيساً لتحرير النسخة العربية من مجلة فوربس. مهنياً، كانت فرصة لافتة. أما على المستوى الشخصي، فكانت بداية لشيء أعمق: حياة جديدة في مكان كان يشعرني منذ البدايات أنه بيتي.
مثل كثيرين من أبناء جيلي الذين درسوا في الخارج، عدتُ إلى المنطقة محمّلاً بأفكار وطموحات لم يكن المناخ العام في أجزاء واسعة منها مهيأ لاستيعابها. كان ثمة فجوة بين ما تشكّل عندي هناك وما يتاح هنا. وقد قدّمت الإمارات احتمالاً مختلفاً.
في مطلع الألفية، كانت الدولة قد بدأت تتحول فعلاً إلى وجهة للمهنيين العرب الباحثين عن بيئة تتيح للطموح أن ينمو. ولم يكن هذا الجذب اقتصادياً فحسب. ما ميّز الإمارات هو قدرتها على الجمع بين الحداثة والإرث الثقافي الاجتماعي. لم تطلب من أحد التخلي عن تقاليده، لكنها في الوقت ذاته لم تسمح للتقاليد بأن تصادر المستقبل.
هنا، يستطيع المرء أن يعمل ويبني ويبتكر في إطار من الأمان والحرية، ما دام يحترم القانون وخصوصية الآخرين. إطار قانوني واضح، ومؤسسات تعمل، وفرص اقتصادية متجددة - هذه المعادلة البسيطة في ظاهرها، النادرة في المنطقة، حولت الإمارات تدريجياً إلى واحدة من أكثر البيئات استقطاباً للكفاءات.
بعد عامين في فوربس، انتقلت رئيساً تنفيذياً للمنتدى الاستراتيجي العربي، ومستشاراً في مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة. المنتدى مركز تفكير إقليمي يُعنى بالتحولات الجيوسياسية والاقتصادية، وقد أتاح لي الاطلاع عن قرب على طبيعة التفكير الاستراتيجي الذي يشكّل دبي من الداخل.
ما يلفت الانتباه في دبي، وهي قصة كل الإمارات اليوم، هو ذلك الإحساس المشترك بالهدف. المواطنون والمقيمون، القطاع الخاص والمؤسسات الحكومية - الجميع يعمل وفق تفاهم ضمني: نجاح هذا المكان رهن بالجهد الجماعي. ويزداد هذا الأمر دلالةً حين ندرك أن أكثر من 90 بالمائة من سكان الإمارات قادمون من خارجها، يمثلون أكثر من 200 جنسية. ومع ذلك، يحدث الانتماء بسرعة لافتة.
لكن قصة الإمارات ليست مجرد قصة ناطحات سحاب وشركات طيران ونمو اقتصادي. إنها مشروع حضاري أوسع، يقوم على التعاون والتعايش والانفتاح على الأفكار الجديدة.
على مدى عقود، جرّب العالم العربي أيديولوجيات عدة - قومية واشتراكية وإسلامية - وعدت جميعها بالتجديد، لكنها أنتجت في الغالب سلطوية أو ركوداً أو صراعات. اختارت الإمارات مساراً مختلفاً.
في عام 2011، كانت الإمارات من أوائل الدول التي واجهت علناً جماعة «الإخوان» وصنّفتها تنظيماً إرهابياً. وبينما آثرت حكومات أخرى احتواء الجماعة أو توظيفها تكتيكياً، رأت أبوظبي أن أيديولوجيتها لا تتوافق مع ما تبنيه: دولة حديثة قائمة على الاستقرار والتعددية.
والأهم أن الاستجابة لم تتوقف عند الإجراء الأمني. استثمرت الدولة في مؤسسات للحوار بين الأديان، ومؤتمرات دولية حول التسامح، وجامعات تُعنى بالعلوم الإنسانية - مواجهة الفكرة المنغلقة بفكرة حضارية منفتحة على العالم. وقد تعرّض هذا النهج لانتقادات، خصوصاً من حركات أصولية تمتلك شبكات إعلامية ذات تأثير بسبب خطابها الشعبوي. لكن الاستراتيجية الإماراتية أثبتت مع الوقت متانتها.
على مدى السنوات، تداخلت قصتي الشخصية مع هذا المسار. أطلقت مشاريع إعلامية ومشاريع تجارية خاصة، ثم بدأت في تقديم برنامج تلفزيوني أسبوعي حاورت فيه فلاسفة وكتّاباً ومفكرين، وساهمت في مؤتمرات تُعنى بالحوار الثقافي. لم يكن ذلك ممكناً بهذه الصورة المنتظمة مع سقف عالٍ من الحرية في كثير من عواصم المنطقة.
جاءت الاعتداءات الإيرانية الأخيرة لتضع هذا كله أمام اختبار حقيقي. وعلى مدى أكثر من ثلاثين يوماً من العدوان بالصواريخ والطائرات المسيّرة، شهدت بنفسي كيف تصمد دولة الإمارات ومجتمعها. ما اتضح خلال تلك الأيام هو أن قوة الإمارات لا تكمن فقط في منظوماتها الدفاعية المتقدمة - على أهميتها الكبيرة - بل في الأسس الأعمق التي يقوم عليها نموذجها.
كشفت تلك اللحظة عن حقائق لا تظهر في أوقات الهدوء. القوة الوطنية لا تُبنى في لحظات الأزمات، بل تتراكم على مدى سنوات من التخطيط والاستثمار - وإمكانات الدفاع الجوي الإماراتية خير شاهد على ذلك. كذلك أثبتت الأزمة أن التماسك الاجتماعي ليس شعاراً، إذ كشفت عن مستوى لافت من الثقة بين القيادة ومجتمع شديد التنوع. وأخيراً، واصلت المؤسسات الحكومية عملها بكفاءة وتنسيق تحت الضغط - وهذا هو الاختبار الأصدق لأي نموذج حوكمة.
لحظات الخطر تكشف ما لا يظهر في أوقات الرخاء. وفي حالة الإمارات، أكدت الهجمات الأخيرة ما يدركه كثيرون ممن يعيشون فيها: أن الرؤية طويلة المدى، والمؤسسات الراسخة، والمجتمع المتماسك، هي البنية الحقيقية للقوة - لا المظاهر ولا الخطاب.
في أوقات الأزمات، تنتشر الشائعات وتتسع المخاوف. لكن الإمارات تصمد ليس لأنها محظوظة - بل لأنها بنت ما يستحق الصمود. وستبقى، في تقديري، واحدة من أندر الأمثلة في المنطقة على دولة تمكنت من الجمع بين الاستقرار والانفتاح، والحداثة والهوية والواقعية والطموح.
قد تختبر الصواريخ دفاعات الدول. لكنها لا تستطيع زعزعة فكرة ناجحة.
*كاتب وإعلامي إماراتي
إقرأ المزيد


