زمن الحرب
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

عند الفجر، وقبل الشروق تسمع صوت العصفور ينشد ليوم جديد، ولحظة إطلاق الجناحين باتجاه المدى، تسمع عقلك الباطن يغرد باسم وطن رفع الله شأنه وأعلاه على كل الصغائر والضغائن، وجعله آية من آيات الجمال في العالم، جعله موطناً للعالمين، ومآلاً للسلام والوئام. وفجأة تسمع صوت دوي، ولما ترفع رأسك وتنظر إلى السماء، تلمح صورة كيان حديدي صلب، قد تفتت، وتحول إلى أشلاء، ولما تسأل عن الحدث يقال لك إنه مخلب شر تم دحره، ونحر عدوانه، وتبقى أنت تفكر، وأنت تتابع تلك النار التي هوتْ مهزومة بفعل أيدٍ أمينة، صفعت خد الضغينة، بإرادة من إيمان بأن البطش لابد وأن يهوي للحضيض ما دام طغى وتجبر، وانحرف وتعثر، وشط وتبعثر، وجار وتكبر، وسار في دروب الغيّ، وانهمر، فلابد له من صد، ورد، يجعله في الدنى شيئاً لا يذكر. 
وقفت أراقب ما حدث، ولما سكن الروع من قلب عصفور كان مثلي مذهولاً من هول ما يصنعه الإرهاب، حين يصاب بلوثة وتعتريه آفة العصبية الجاهلية، وقفت وقلت يا خليج، يا بوح الموجة البيضاء، يا كل الأريج، من لك سوى هذه الأيادي المباركة. 
وبعد يوم، أو ربما يومين، سمعت صائحاً من قريب، ومن بعيد، َينادي بصوت وئيد، هيا هذه قيامة الشر، هذه لحظة الحقيقة، فقد تطاول الشر وتناهى إلى لا شيء، وهذه علامة النهاية عندما يتصور المرء أنه بالكذب يستطيع أن يهزم الحقيقة، وفي أفكار كأنها عديم الآلة الخربة، يمكنه حكم العالم، وفي صرخات كأنها نعيق الغربان، سيتناول النجوم، ويجعلها عناقيد نحر وصدر. 
ملأت عيني بنور الصباح، حتى فاض قلبي بالفرح، عندما تلقيت خبر تدهور رمية، وزوال لهيبها في اللاشيء، وأيقنت بأن الذي قال «سنظهر أقوى» كان ينطق بلسان الحقائق التاريخية، لأن الباطل يظل باطلاً، مهما ترعرع، ونما في ثنيات أفئدة مأزومة بالوهم، وتعيش دوماً في مأزق الخداع البصرية. 
هذه الصورة بدأت تتكرر، وبدأ الإعلان عن إسقاط طيور الكذب تباعاً، وبيُسر، وحراس العدالة، يقبضون على الحياة بإصرار وتصميم، ولا مجال للغي أن ينتصر لأنه يتكئ على حبال واهية، ويسند أقواله إلى أفعال تشبه الزبد، ولا تحميه الفوهات الصدئة من عزائم الرجال الذين عاهدوا الله على فعل التلاحم، وانتموا إلى الوطن كما تنتمي الطيور إلى أعشاشها، وكما تلوذ دوماً الأشجار إلى حقيقة تجذرها في تراب أصلها وفصلها، وما نبرة الشكر التي تطلقها ضمائر حراس الحقيقة، إلا علامة بارزة على التلاحم الدافئ بين الحارس والمحروس، وعين الله ترعى الجميع، وحب الوطن آية من آيات الوجدان في الإمارات.



إقرأ المزيد