جريدة الإتحاد - 4/4/2026 12:21:38 AM - GMT (+4 )
كثيرة هي الرحلات الصحفية التي تأتي إما فجأة أو تكون وفق مناسبة معينة أو حتى المدرجة منذ عام مسبقاً، لكن لكل منها خصوصيته، وبهجته، خاصة إذا ما كانت تلك الرحلات تضم وفداً صحفياً مختلفاً، بينهم الصحفي المتمرس، والصحفي المبتدئ، والصحفي المشاغب، وبينهم التنافس المهني، والسبق الصحفي، وبينهم صداقة المهنة ومتاعبها، وعداوة السبق الصحفي، أيام كان السبق الصحفي بيوم، لا كما اليوم بدقائق معدودة، حيث تجد النقاشات حامية الوطيس، وفي كل مكان، وتجد دخان السجائر مثل سحابة رمادية لا تغيب، أيام كان التدخين صفة ملازمة للتفكير والفكر وأهله، لا الآن حيث العزلة الزجاجية والتدخين في الهواء الطلق، وأيام القهوة التي لا تتوقف فناجينها، وتجد كذلك المقالب والضحكات وفوائد جمة يتيحها السفر مع الزملاء «الأعدقاء»!
ربما رحلات اليوم خالية من المشقة والتعب والركض والتلهف والمتابعة والانتظار التي كانت تفرضها الصحافة التقليدية القديمة، أيام «التلفكس» والفاكس، والتلي برنتر، والاتصال من بدالات الفنادق، والسهر على تحبير أوراق «الدشت»، اليوم كل واحد «يصاصر» نقاله الذي أصبح سلاح الصحفي بعد ما كان القلم هو سيد كل الأشياء، صار صحفي اليوم هو المراسل والمصور والمعد والممنتج ومسؤول الأقمار الصناعية، صار هو والصحيفة ونقّاله رأساً برأس.
أتذكر أنني كنت في إحدى الدول «الثورجية» الشمولية، ذات شعار: شعب واحد، حزب واحد، رئيس واحد، وأردت أن أرسل مادة صحفية بالفاكس يومها، فأخبروني أن عليّ الذهاب إلى مبنى البريد المركزي الذي يشبه قصر الوالي، حيث تسيطر عليك الرهبة، ويتبعك التوجس في كل دهاليزه، فتقدمت إلى موظف عمومي أشعرني، وكأنه محصل تذاكر في حافلات النقل العام، وقلت له: أريد أن أرسل هذه المادة إلى صحيفتي، استبشر خيراً، وخرج من مخبئه، يتأبط ملفاً بنياً فاتحاً، وعليه خيط أحمر لزوم الغلق قبل الإرسال، وقال: عليك أن تعبئ هذا الملف، وتقرّ بكل ما فيه، وتمهره بتوقيعك، بعدها سنبعث المادة بالفاكس، بعد قراءتها، وسنحتفظ بالنسخة الأصلية، ونسخاً منها ستتحول إلى الأقسام المختلفة، كل حسب اختصاصه، الشرطة العسكرية، الاستخبارات الجوية، والاستخبارات العامة، واستخبارات المراسلين الأجانب!
فقلت له: شكراً، لا أريد أن أبعث المادة، فتجهم حتى كاد أن يهجم: نعم! الأمر الآن خرج من يدك إلى يدنا، لا يحق لك الرفض أو التصرف فيه، حتى يبت فيه من قبل الجهات المسؤولة، فقلت له الموضوع المرسل يخص فنانات ومطربين، لا هو موضوع سياسي أو ذو طابع فكري أو نقد اجتماعي، فرد قاطعاً الحديث: نحن من نقرر، ومن نقيّم! ولم أخرج من ذلك المبنى المكتوب على جداره مبنى البريد المركزي، إلا وأنا عائف الدنيا، ولاعناً ذاك اليوم الذي أدخلني مبنى الارتياب المركزي.
وكان المكتوب في جواز سفره أن مهنته صحفي، عليه أن يراجع في بعض البلدان التقدمية قسماً مختصاً يقال إنه تابع لوزارة الإعلام، خلال ثلاثة أيام من القدوم، ليملأ استمارات معينة، ويقر بنوع الكاميرا الفوتوغرافية التي يحملها، وربما سجلوها في آخر صفحة في جواز السفر، ونوع جهاز التسجيل، وهل يتعامل مع الذبذبات الخارجية، وكانت بعض البلدان لا تسمح للصحفي بالقدوم إلا بعد الموافقة المبدئية على زيارته، بالطبع سيكون لديه مرافق سياحي، ومترجمة، والذي لا يمكن أن يتحدث به مع المرافق، يمكن أن تلين الأمور مساء، ويتحدث به مع المترجمة التي تشبه وكيل القوة.. وغداً نكمل.
إقرأ المزيد


