الرئيس التنفيذي للمركز الوطني للتأهيل لـ «الاتحاد»: اعتماد نموذج علاجي يتماشى ومعايير المجتمع والقيم الإماراتية
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

هدى الطنيجي (أبوظبي)

أكد يوسف الذيب الكتبي، الرئيس التنفيذي في المركز الوطني للتأهيل، أن المركز الوطني للتأهيل يعتمد نموذجاً علاجياً في مجالات الوقاية والعلاج وإعادة التأهيل مبنياً حول احتياجات مجتمع الإمارات، ويتبع المعايير العالمية المبنية على الأدلة، وتتم ترجمتها بشكل يتماشى مع الثقافة والقيم الإماراتية.
 وذكر أنه بخلاف البرامج التقليدية التي قد تركز على الفرد فقط، يولي المركز أهمية متساوية لإشراك الأسرة، ودعم المجتمع، وتقليل الوصمة الاجتماعية تجاه الشخص الذي تعرض للإدمان، كما أن المنهج شامل، يجمع بين العلاج الطبي والرعاية النفسية والتأهيل الاجتماعي، إلى جانب التعليم والتدريب المهني. 
 وأشار إلى أن الوقاية تمثل جزءاً أساسياً من كل خطة علاجية، بحيث يغادر المريض المركز، وهو أكثر قدرة على الحفاظ على تعافيه، ومنع أي انتكاسات مستقبلية. وبالنسبة لنا، العلاج لا يقتصر على الرعاية الطبية فحسب، بل هو استعادة للصحة وتقوية الأسر والمجتمع.
قال يوسف الكتبي، في حواره مع «الاتحاد»: لا يقتصر التعافي المستدام على إتمام برنامج علاجي فحسب، بل هو بناء لأساس يدعم عملية اتباع نمط حياة صحي وإيجابي، ومن واقع خبرتنا، هناك ثلاثة عوامل رئيسية تبرز في هذا السياق، أولاً: الرعاية الشاملة المصممة خصيصاً لكل مريض، والتي تعالج ليس فقط تعاطي المواد المخدرة، بل أيضاً العوامل المرتبطة بالصحة النفسية والاجتماعية والبيئية، وثانياً: إشراك الأسرة والمجتمع، إذ إن جعل رحلة التعافي مسؤولية مشتركة يزيد فرص النجاح بشكل كبير، وأخيراً: المتابعة المستمرة بعد العلاج، فالكثيرون يتعرضون لانتكاسة؛ لأن الدعم يتوقف مبكراً، ونحن في المركز نواصل الرعاية إلى ما بعد الخروج منه، مما يسهم في تزويد الأفراد بمهارات حياتية متنوعة لإعادة بناء ذواتهم وأهدافهم في الحياة، وهي مفاتيح حقيقية للتعافي طويل المدى.

مواد بديلة
أضاف الكتبي: لاحظنا تحولات خلال السنوات الأخيرة، فعلى الرغم من بقاء المخدرات التقليدية مصدر قلق، شهدنا زيادة في التجارب مع مواد بديلة تسوق عبر «الإنترنت» على أنها «آمنة» أو «قانونية»، وتشمل هذه المواد أدوية تصرف بوصفة طبية أو حتى منتجات منزلية يساء استخدامها، فمثلاً بالنسبة للمراهقين، أصبح الخط الفاصل بين الفضول والخطر أكثر ضبابية، لكن الجانب المشجع هو أن الوعي يتزايد، حيث باتت المدارس والأسر أكثر فاعلية، مع تركيز متساوٍ على الوقاية والعلاج، فضلاً عن أن التدخل المبكر، والحوار الصريح، والتعليم الموجه يساعد على بناء جيل أكثر وعياً وحذراً تجاه هذه المخاطر.
وأشار إلى أنه تمت ملاحظة أن أبرز التغيرات تتركز بين المراهقين والشباب، وهذه مرحلة حرجة يبني فيها الشباب هويتهم، ويتخذون قرارات جذرية، بينما يتعرضون لضغط الأقران، مما يزيد من احتمالية وقوعهم في فخ تجربة المواد المخدرة والإدمان، لكننا نرى في ذلك فرصة محورية للوقاية، فعندما يمتلك الشباب الأدوات والإرشاد والدعم الأسري، يصبحون أكثر قدرة على اتخاذ خيارات صحية تدوم مدى الحياة؛ ولهذا تبقى فئة الشباب وأسرهم في قلب استراتيجياتنا الوقائية.

الصحة النفسية 
أوضح الكتبي أن الحوار حول الصحة النفسية في الإمارات شهد تحولاً عميقاً خلال السنوات الأخيرة، فقد ارتفع مستوى الوعي، وتراجعت الوصمة، وأصبح الناس أكثر استعداداً لطلب المساعدة مبكراً، وهذا التحول انعكس إيجاباً على عملنا، حيث إن اضطرابات تعاطي المواد المخدرة غالباً ما ترتبط بمشكلات نفسية، مثل القلق والاكتئاب أو الصدمات، ويمكننا معالجة هذه التحديات معاً بدلاً من تجنب الحديث عنها، كما أن تقبل المجتمع المتزايد ساهم في تعاون أكبر من جانب الأسر والمؤسسات التعليمية والجهات الحكومية والخاصة معنا، مما يعزز جهود الوقاية، ويمكن القول إن هذا التحول الثقافي يساعد على ترسيخ فكرة أن التعافي والصحة النفسية مسؤوليات مشتركة وليست أعباء فردية.

منظمة الصحة العالمية 
 أكد الرئيس التنفيذي للمركز أنه منذ اعتماد المركز الوطني للتأهيل مركزاً متعاوناً مع منظمة الصحة العالمية عام 2017، أصبح دوره يتجاوز حدود تقديم الرعاية داخل الإمارات، ليشكل جزءاً من الجهود العالمية لمكافحة الإدمان، هذا الاعتماد يعكس التزام المركز بأعلى المعايير الدولية، ويتيح له المساهمة في صياغة السياسات الصحية، وتبادل الخبرات مع شركاء إقليميين ودوليين، وبناء كوادر وطنية مؤهلة، وعملياً، هذا يعني أن عملنا يتماشى مع أعلى المعايير الدولية، ونشارك خبراتنا مع شركاء في إقليم شرق المتوسط، كما يتيح لنا هذا الاعتماد بأن نكون منصة للتأثير وصنع السياسات العالمية في هذا المجال، وتبادل المعرفة والخبرات وبناء الكوادر الوطنية المؤهلة.
وأضاف: مؤخراً، استضفنا في أبوظبي حواراً سياسياً رفيع المستوى مع منظمة الصحة العالمية، جمع خبراء دوليين وإقليميين لوضع استراتيجيات للصحة العامة، كما أن دورنا يتجاوز العلاج ليشمل المساهمة في تحديد الاتجاهات الوطنية، وتعزيز الأنظمة الداعمة لمجتمع أكثر صحة.

استراتيجية التأهيل

ذكر يوسف الكتبي أن القيم الثقافية والاجتماعية في دولة الإمارات ركيزة أساسية في تصميم وتنفيذ استراتيجيات المركز، ونحن نعمل ضمن إطار يحترم الروابط الأسرية والتضامن المجتمعي وأهمية المسؤولية الاجتماعية، كما أن نهجنا يشمل إشراك أفراد الأسرة، مما يخفف من الوصمة، ويشجع المشاركة الفاعلة من الأفراد وأحبائهم في رحلة التعافي.
وأضاف: إلى ذلك، فنحن ندمج العلاجات المعترف بها دولياً والمبنية على الأدلة مع حملات توعية ملائمة ثقافياً، ومبادرات تعليمية، وشراكات مع المدارس والأسر وجهات إنفاذ القانون، تمكننا هذه الجهود من التدخل المبكر، وبناء المرونة، ومعالجة الإدمان والاضطرابات النفسية المصاحبة له، ومن خلال مواءمة عملنا مع التطورات الاجتماعية في الدولة، نضمن أن تكون برامجنا فعالة ومتجذرة في القيم التي توحد مجتمعنا وتقويه.
 وذكر أن التعافي لا يقتصر أبداً على العلاج الطبي وحده، بل يتعلق بالعناية بالإنسان ككل، ومنذ لحظة استقبال المريض، نصغي له ولأسرته ونفهم احتياجاته، كما يعمل فريق متعدد التخصصات من الاختصاصيين النفسيين والاجتماعيين على وضع خطة علاجية مخصصة له تشمل إزالة السموم، والعلاج الداخلي، أو العلاج الخارجي، وفقاً للحالة. وبالتالي، نحن نجمع بين العلم والبعد الإنساني، مستخدمين أساليب مثبتة، مثل نموذج «الماتريكس»، والمقابلات التحفيزية، والعلاج الأسري، لكننا نكيفها بشكل مستمر لتتلاءم مع ثقافتنا وقيمنا، كما ندرك أن الإدمان ليس حالة طبية فحسب، بل عاطفية واجتماعية وغالباً نفسية؛ لذلك نحرص على أن تشمل برامجنا أنشطة ترفيهية، وصحة بدنية، وتدريباً مهنياً.

مبادرة توعية 

 ذكر يوسف الكتبي أن المركز أطلق مبادرات عديدة، كان «المخيم الصيفي 2025» مثالاً بارزاً على كيفية إشراك المجتمع، حيث جمع الشباب والأسر لعشرة أيام من الورش حول العمل الجماعي، واتخاذ القرار، أنماط الحياة الصحية، الذكاء الاصطناعي، والهوية الوطنية. وبالتوازي، جسدت فعالياتنا في «اليوم العالمي لمكافحة المخدرات 2025» الالتزام على مستوى الدولة، من خلال منتديات وحملات توعية وفعاليات مجتمعية في أبوظبي والعين والظفرة ودبي، شملت أنشطة في المراكز التجارية، وسباقاً رياضياً توعوياً، ورسائل بثت عبر محطات «أدنوك». وجميع هذه المبادرات تعكس تركيز المركز الوطني للتأهيل على تعزيز جهود الوقاية، ونشر الوعي على مدار العام، لبناء مجتمع أكثر صحة ومرونة ومسؤولية، بما يتماشى مع رؤية «عام المجتمع 2025».

المشهد الاجتماعي

 قال: إن استراتيجيتنا الوقائية مصممة، بما يتناسب مع المشهد الاجتماعي المتطور في الإمارات، مستهدفة شرائح رئيسية، من خلال حملات توعية وأنشطة تعليمية تتماشى مع قيمنا وعاداتنا وتقاليدنا، ففي عام 2024، نفذ المركز أكثر من 107 أنشطة توعية، بالتعاون مع مؤسسات من القطاعين العام والخاص، كما أطلقنا حملة وطنية بعنوان «من الوقاية إلى التعافي» لتأكيد أن الحماية الفعالة تبدأ بالوعي. وأضاف: في القطاع التعليمي، طبق المركز برنامجاً تدريبياً خاصاً للمعلمين، لتأهيلهم على رصد المؤشرات المبكرة للتعاطي والتدخل المناسب، وفي عام 2025 وحده، تلقى أكثر من 60 معلماً تدريباً مدعوماً بآلية متابعة منظمة لتقييم الأثر وتحسين الأداء بشكل مستمر، كما أبرز الفهم المتطور للإدمان أهمية معالجة الاضطرابات النفسية المتزامنة، خاصة بين الشباب، واستجابة لذلك، يستثمر المركز في التثقيف المجتمعي، والتوعية الرقمية، وتنمية مهارات الحياة، لتمكين الأفراد من الوصول لحياة صحية خالية من التعاطي.

مستقبل علاج الإدمان
قال يوسف الكتبي: نتوقع خلال العقد المقبل أن يشهد علاج الإدمان في الإمارات تحولاً جوهرياً في طريقة عمل المنظومة الصحية، فالدولة تستثمر بشكل كبير في الذكاء الاصطناعي، والرعاية عن بُعد لجعل الرعاية أكثر استباقية وتكاملاً، وهذا يشكل ميزة كبيرة لعلاج الإدمان؛ لأنه يتيح لنا التعرف على المخاطر مبكراً، وتسهيل وصول المرضى إلى خدماتنا، وبالتالي اتخاذ القرارات بناء على بيانات آنية.

إنفاذ القانون
ذكر الكتبي أنه من أبرز التغييرات إنشاء «الجهاز الوطني لمكافحة المخدرات» في أغسطس 2025، حيث ولأول مرة سيتم تنسيق استراتيجيات الوقاية وإنفاذ القانون والرعاية الصحية تحت مظلة اتحادية واحدة. وهذا يعني بيانات مشتركة، وسياسات متجانسة، وتعاوناً أقوى بين الجهات، مما ينعكس مباشرة على تحسين حصول الأفراد على المساعدة، والحفاظ على مسار التعافي، ومع الاستثمارات الاستراتيجية للدولة في الذكاء الاصطناعي، نتوقع أيضاً أدوات متقدمة للتنبؤ بالانتكاس، ومتابعة التقدم، وتوجيه جهود التوعية، غير أن المسألة تتعلق بإنشاء منظومة متكاملة تربط بين الوقاية والعلاج والتعافي.



إقرأ المزيد