جريدة الإتحاد - 4/7/2026 12:17:23 AM - GMT (+4 )
في صبيحة يوم شتائي بارد إلى حدٍّ ما، تناهى إلى أسماع العالم أن عجوزاً فكرت أن تُثري مشاعرها، بلباس الشباب، وأن تظهر للعالم بثوب يسفر عن قوة بدنية مدهشة، وهكذا صوّر لها خيالها، فبادرت، وثابرت، وغطست في البحيرة، وتعجّب كل مَنْ يعرف هذه العجوز من قرارها المشين الذي لا يتناسب مع وضعها وصحتها وعمرها الذي شارف على التلاشي. ولكن العجوز أصرت على خذلان كل مَن عرفها برزانتها، رغم وجود بعض الفوارق في المفاهيم والمصطلحات، والغيبيات التي تسكن وجدانها، على غرار كبار السن الذين مروا بمراحل ما قبل التاريخ.
ورغم الصدمة التي أصابت جيرانها، إلا أنه لم يخطر على بال أحد منهم أنها ستتجاوز كل الأعراف، والتقاليد والعادات والشرائع، وتقفز مثل أرنبة مهزومة من داخلها، وتعلن عصيانها لكل ما يتعلق بالقيم الإنسانية، وأنها سترقص على حبال الموضة الجديدة. واستمرت العجوز على هذا الحال، وحال تمرّدها، بينها وبين جيرانها في بناء الثقة، والعلاقات المتكافئة، لأنها أسندت ظهرها على خيال جهم، واجم، مستبد، معتقدة أنها ستحكم مشاعر العالم بهذا التاريخ الذي يشبه لوحة فنية رديئة، ساطتْها الشمس بلهيب من جحيم. ولكن وبعد حين زاد إعجاب العجوز بما أنجزته من ألعاب بهلوانية، ففكرت في أن تساوم جيرانها على حريتهم، وفرضت عليهم شروطاً فانتازية، عجيبة، وغريبة، فلم يستمع لها أحد.
واستمرت الجارة العجوز في غلوائها، استمرت في عجرفتها، وفتحت العجوز عينيها، على واقع مغاير، واقع أشار إلى هزيمة مُنكَرة لخيال عجوز، ظنت أنها حكيمة بما يكفي عندما فكرت في ارتداء ثوب التمرد على قوانين الطبيعة، وتخرج للناس أجمعين، برؤية تشبه رؤية الغراب الذي أراد أن يقلد الحمامة، فإذا به يصاب بالفشل الذريع.
وهذا هو حال العجوز التي خسرت كرامتها، كما خسرت ثقة جيرانها بها، بعدما انحرفت عن طبيعتها، وانغمست في التبرج، ورغبة الخروج عن واقع الحال، صارت تلهج بأفكار حمقاء، صارت تتصرف بهمجية من أجل أن تقنع الآخرين بأنها الأفضل، وظلت هكذا حتى تهاوى قاربها، وغاص في لُجّة الخراب، وهكذا اقتنع العالم بأنها عجوز ويجب القضاء على حماقتها بأي صورة من الصور، حتى يسعد العالم بحياة طبيعية، وعلاقات سامية، تسمو فوق كل الأطماع، والطموحات العشوائية. وبعد حين، وفي يوم جديد، عُثر على العجوز منتحرة، وقد لفّت جسدها بمادة سامّة، قضت على حياتها.
إقرأ المزيد


