جريدة الإتحاد - 4/7/2026 12:23:57 AM - GMT (+4 )
زمان كان الغش في الكيل والميزان، وأن يبيعك أحدهم بضاعة بائرة وهو يحلف بأغلظ الأيمان أو يغشك في السعر، كانت هناك محدودية لمثل ذاك العمل الذي يُعد عملاً رديئاً وليس من الأخلاق، وأنكرته الأديان، وتوعدت مرتكبيه.
لكن اليوم وفي هذا العصر الحديث والذاهب في الرقمنة والتشفير والأموال السائلة المسيلة والمغسولة التي تسمع عنها ولا تراها، ولا تقبض عليها يدك لتفركها، وتعدّها نوطاً.. نوطاً، وتسمع هسيسها الورقي، ولا تشم رائحتها البنكنوتية، غدت أمور الغش في كل شيء، وانتقلت من الأسواق وحال التجار ومعاملاتهم إلى أمور الحياة اليومية وتفاصيلها الدقيقة، بحيث تتمنى أن يمضي يومك ولا يخدعك أحد أو يغشك آخر أو يتحايل عليك واحد «لوتي» ملغم بأرقام وأسهم بيانية صاعدة وأخرى هابطة أو تسطو على بياناتك شركة وهمية وترسل لك من مخازنها الرطبة في إحدى المناطق الصناعية عطوراً فرنسية وأحذية إيطالية وماركات عالمية بالعملة المحلية، والدفع عند الباب أو عبر صرّاف صيني ساكن هونغ كونغ.
الغش اليوم وصل إلى الحياة الاجتماعية حتى، وابتدعته النساء وأطباء العيادات التجميلية، الترقيعية، وناشطات الترويج في الوسائط الاجتماعية في كل ما يخص الغش الجسدي، بحيث حتى لو ظهر شيء أمامنا وعلى طبيعته، يراودنا الشك تلقائياً في مصدره، ومدى مصداقيته، وطبيعة مخبره، وتظل الأسئلة تدور في رؤوسنا: هل هو طبيعي أم سيليكون؟ هل هو مكون طبيعي أم قصدير وألمنيوم؟ هل هو جلد بشري أم منفوخ ومدبوغ وهيليوم؟
تسلل الغش الرقمي إلى تفاصيل التفاصيل في حياتنا، لأن صُنّاعه يعملون من منازلهم ومن خلال هواتفهم النقالة، ولا مسؤولية أو محاسبة قانونية، والغريب أن الكثير منهم يعتبره جزءاً من مزحة أو تسلية أو محاولة استقطاب متابعين، مثل أن يقوم بتركيب مناظر خلّابة، جبال وسهول وأودية وشلالات مائية، ومناطق خضراء تجري من تحتها الأنهار على طريقة الذكاء الاصطناعي لمناطق هي في الأساس جبال صُلد، وسهول جرد، ومناطق حجرية ورمال صحراوية، ويصدرها على أنها مناطق استقطاب سياحي عن بلده، وحين يأتي السائح المغشوش لا يجد في ذاك المكان إلا رمثة تقاوم حرقة عطش الصحراء، وشجرة أشخر بكت من قلة المطر أو شجرة حَبَن أتمنى أن لا يتذوقها السائح الأجنبي لأنها سامة، ولا تقوى عليها الإبل، وقد يرجع لبلاده صاحب «فيزا تشينغن» وارماً كبر «الهبّان».
أما الغش الرقمي في مجريات الأحداث في الحرب الدائرة في منطقة الخليج، فلم يخل من تركيب أفلام هندية في الحرب الحديثة الملونة والرقمية، مشاهد لأطفال يتمنون على أبيهم الفلاح أن يطلق رصاص بندقيته النمساوية القديمة على مقاتلة أميركية متطورة لا تعترف بالرادارات الروسية أو الصينية، وهي والضباب والسحاب سواء، أو يغشونك بخلق أجواء سينمائية هوليوودية مولدة بالذكاء الاصطناعي لمعركة تاريخية تبشر بالدينونة الكبرى، وظهور المسيخ الدجال.
ومن الغش الرقمي في هذه الحرب أيضاً، وهو كثير لا يحصى، سأذكر حالتين: الأولى إعلان وفاة أي أحد تكرهه في هذه الحرب الدائرة، وفيها قتلوا «نتنياهو»، وروايات ظهوره الرقمي المغشوش، ووضعوا «ترامب» على نقالة إسعاف نحو جهة ما!
إقرأ المزيد


