جريدة الإتحاد - 4/9/2026 1:38:36 AM - GMT (+4 )
منذ أن دخل دونالد ترامب الساحةَ السياسية الأميركية لأول مرة، دار جدل جاد بين «الجمهوريين» حول مدى التزامه بالمبادئ المحافظة. فقد كان أسلوبه ولغته ومواقفه وقراراته.. كل ذلك كان موضع شك في أوساط المحافظين الذين اشتهروا بسلوكياتهم الرصينة والمنضبطة. في العقود الأخيرة، تبنى الجمهوريون مجموعةً من القضايا الاجتماعية، مثل الإجهاض، والقضايا الثقافية، مثل كراهية الأجانب وسياسات التمييز الإيجابي.
ومع ذلك، لم تكن أي من هذه القضايا جوهرية في الفكر المحافظ التقليدي، الذي لطالما تلخّص تاريخياً في شعار «ضرائب أقل، حكومة أصغر»، مع التأكيد على أن الدور الرئيسي للحكومة يجب أن يكون «تأمين الدفاع الوطني». ورغم اختلافه عن «باري جولد ووتر» أو «رونالد ريجان»، فقد أثبت الرئيس ترامب التزامَه بتعزيز هذه الأهداف المحافظة الأساسية. وكما فعلت إدارتا ريجان وجورج دبليو بوش، جمع الرئيس ترامب في ولايتيه الأولى والثانية بين تخفيضات ضريبية كبيرة وزيادات هائلة في الإنفاق الدفاعي، سواء لتوسيع ميزانية البنتاجون المتضخمة أصلاً، أو لتمويل حروب خارجية تخوضها الولايات المتحدة أو حلفاؤها.
يبدو أن طرح ميزانية ترامب المقترحة للسنة المالية 2027 هذا الأسبوع يمثّل حلم المحافظين الذي تحقق. فهو يطالب بزيادة قدرها 500 مليار دولار في ميزانية وزارة الدفاع، ما يشكل أكبر زيادة (بنسبة 44%) وأكبر ميزانية عسكرية إجمالية منذ الحرب العالمية الثانية. وتأتي هذه الزيادة لعام 2027 إضافةً إلى طلب تمويل تكميلي بقيمة 350 مليار دولار لعام 2026، والذي يُفترض أنه لتعويض التكاليف المتزايدة الناتجة عن الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران. تتضمن ميزانيةُ عام 2027 زياداتٍ في بنود شؤون المحاربين القدامى ووزارة العدل (لتغطية تكاليف ملاحقات الهجرة).
إلا أن ميزانية 2027 تتضمن أيضاً تخفيضات في ميزانيات 10 وكالات حكومية أخرى، مع تخفيضات حادة في ميزانية وزارة الخارجية والبرامج الدولية، ومشاريع الطاقة المتجددة، ومِنح البحوث في مجال الرعاية الصحية، وعدد من البرامج الاجتماعية والتعليمية والطبية. وعندما سأله الصحفيون عن تأثير هذه التخفيضات على برامج الرعاية الصحية الحكومية (ميديكير وميديكيد) وبرامج رعاية الأطفال، أجاب الرئيس: «نحن نخوض حروباً. ليس من الممكن لنا تغطية تكاليف رعاية الأطفال، وبرامج ميديكيد أو ميديكير وكل هذه الأمور». تكمن المشكلة في أن هذه الزيادات الهائلة في الإنفاق الدفاعي اقترنت بانخفاض حاد في الإيرادات، نتيجةً لقانون ترامب الرئيسي - «القانون الكبير والجميل» - الذي أُقرّ العام الماضي. وقد تضمن هذا القانون تخفيضات ضريبية بقيمة 4.5 تريليون دولار على مدى السنوات العشر المقبلة.
وهناك ميزتان إضافيتان يستفيد منهما الجمهوريون نتيجة هذا الجمع بين خفض الإيرادات وزيادة الإنفاق الدفاعي. فمن ناحية، يؤدي ذلك إلى زيادة كبيرة في عجز الميزانية، وهو ما استخدمه الجمهوريون بفعالية للمطالبة بمزيد من التخفيضات في الإنفاق على الرعاية الاجتماعية. ونظراً لأن الديمقراطيين المعتدلين تجنبوا انتقاد الحروب السابقة والحالية والإنفاق الدفاعي المفرط، فقد سمحوا للجمهوريين باستخدام مسألة العجز المالي للظهور بمظهر «البريء»، ومهاجمة الديمقراطيين باعتبارهم «مبذرين» يدفعون الولايات المتحدة نحو الهاوية المالية.
لكن الحقيقة أن التخفيضات الضريبية الضخمة التي أقرها ريجان، وزياداته الكبيرة في الإنفاق العسكري، هي التي تسببت في عجز ميزانية الثمانينيات. وكذلك، خلال انتخابات 2012، أثار الجمهوريون مسألةَ الدَّين الوطني المتزايد، دون الإشارة إلى أن تخفيضات الضرائب في عهد جورج دبليو بوش وحرب العراق هي التي كلّفت تريليونات الدولارات دون أي إيرادات جديدة لتعويض تلك النفقات. وحتى اليوم، تجاوزت تكلفة تلك الحرب سبعة تريليونات دولار.
والآن يسير ترامب على خطى ريجان وبوش. لا يزال هناك احتمال آخر، وهو أن يحاول ترامب، كما فعل ريجان، استغلالَ الأزمة الناجمة عن ميزانية مختلة لصالحه. هذا الأسبوع، عندما سأل الصحفيون الرئيس عن تأثير مقترح ميزانيته على برامج رعاية الأطفال، وبرنامج الرعاية الصحية الحكومي (ميديكيد)، وبرنامج الرعاية الصحية الحكومي (ميديكير) (الذي سيشهد تخفيضات أو ضغوطاً)، أجاب: «لا يمكننا إرسال أي أموال لرعاية الأطفال، لأن الولايات المتحدة لا تستطيع تحمل تكاليفها.
نحن دولة كبيرة، لدينا 50 ولاية، ولدينا كل هؤلاء السكان، ونخوض حروباً. ليس من الممكن لنا أن نتحمل تكاليف رعاية الأطفال». من خلال تقليص إيرادات الحكومة الفيدرالية، ثم إجبارها على خفض الإنفاق على البرامج الاجتماعية الضرورية لإفساح المجال لزيادة الإنفاق الدفاعي، يُجبر ترامب، على غرار ريجان، على تحمل التكاليف المالية لرعاية الأطفال، وبرنامج الرعاية الصحية الحكومي (ميديكيد)، والتعليم، وغيرها.
وعندما يُضطر حكام الولايات «الديمقراطيون» إلى رفع الضرائب لتغطية هذه التكاليف المتزايدة، سيستغل «الجمهوريون» ذلك لانتقادهم بسبب رفع الضرائب. إذا لم تكن سياسات ترامب خلال العقد الماضي قد أقنعت النخبة المحافظة بأنه ليس واحداً منهم، أو أقنعت الناخبين بأنه ليس الراديكالي الذي أوحى به خطابه، فإن ميزانية 2027 يمكن أن تكون كافية لإقناعهم.
*رئيس المعهد العربي الأميركي
إقرأ المزيد


