هل تتجه أميركا نحو رأسمالية الدولة؟
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

قبل عِقد من الزمن، كان المحافظون في الولايات المتحدة يردّدون بصوت واحد: «الأسواق جيدة، والدولة سيئة». أما الآن، فيردّدون «الأسواق جيدة، والدولة أفضل». وفي عهد الرئيس دونالد ترامب، تتبنّى أميركا شكلاً جديداً من رأسمالية الدولة، بما لذلك من نتائج ليس فقط على الاقتصاد، بل أيضاً على صحة البلاد بأكملها.
 لقد استحوذت إدارة ترامب على «الحصة الذهبية» في شركات مثل شركة «إنتل» وشركة «يو إس ستيل»، وصولاً إلى مفاعلات «وستنجهاوس» النووية وشركة «ليثيوم أميريكاز». وفي صدىً مباشر لنهج الصين في دمج القطاعين المدني والعسكري، تعتزم وزارة الدفاع الأميركية استثمار مليار دولار في شركة «إل 3 هاريس تكنولوجيز». وبينما تبلغ القيمة الإجمالية لهذه الحصص حالياً عشرات مليارات الدولارات، تتوقع «بلومبيرج إنتليجنس» أن تستمر الإدارة في استغلال مئات المليارات من التمويل الفيدرالي المخصص للقروض والمنح، لتأمين حصص في شركات عامة وخاصة. ومارست الإدارةُ نفوذَها على الجهاز التنظيمي للدولة الأميركية لتشكيل الاقتصاد بطرقٍ لافتة، فعلى سبيل المثال، اشترطت على شركة «إنفيديا» دفع رسوم تصدير بنسبة 25% للحكومة الأميركية مقابل بيع شريحة H200 المتطورة إلى الصين، وأجبرت شركتي «آبل» و«تايوا» لصناعة أشباه الموصلات على التعهد بزيادة استثماراتهما في الولايات المتحدة لمواصلة أعمالهما التجارية مع الصين.
كما أصدر ترامب الأوامر إلى الشركات بحماسة تُذكّر بمخططي الاقتصاد السوفييتي، فأمر شركات الأدوية وبطاقات الائتمان بخفض أسعارها، ووجّه شركات الدفاع بوقف توزيعات الأرباح وعمليات إعادة شراء الأسهم، وبتوجيه الأموال نحو بناء القدرات الإنتاجية. بل تدخّل في بيع شركة «وارنر بروس ديسكفري» إلى «باراماونت جلوبال».
إنّ أهم سبب لتبنِّي أميركا رأسماليةَ الدولة هو صعود الصين كقوة اقتصادية منافسة، وربما أيضاً كتهديد عسكري من وجهة نظر المحافظين. وقد أعلن الرئيس الصيني «شي جين بينج» نيته تحدي النظام العالمي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة، وشرع في دمج القدرات الاقتصادية والعسكرية لبلاده، وتعزيز تحالفاته مع بعض القوى الصاعدة الأخرى. ويتفق «الديمقراطيون» و«الجمهوريون» على أن الولايات المتحدة لا تملك خياراً سوى الرد بتوسيع صلاحيات الحكومة في تنظيم الاقتصاد، بما في ذلك إعادة توطين بعض الأنشطة الصناعية، وتأمين إمدادات الرقائق الإلكترونية والمعادن النادرة.
لقد أدى مزيج من الأيديولوجيا وعقد الصفقات إلى تعقيد هذا المسعى. قد يكون ترامب سياسياً فطرياً أكثر منه أيديولوجياً، لكن اعتقاديه الراسخين، بأن الأجانب يحاولون استغلال أميركا وبأنه شخصياً الأكثر دراية بشؤون البلاد، يُشكّلان معاً أيديولوجية النزعة الوطنية للشركات. ويحيط بترامب أيديولوجيون مثل نائب الرئيس «جيه دي فانس»، الذي يرى ضرورةَ إعادة هيكلة الاقتصاد لتعزيز الفضيلة الأخلاقية، وقوميون تقنّيون مثل «أليكس كارب»، الرئيس التنفيذي لشركة «بالانتير تكنولوجيز»، الذي يؤمن بـ«اتحاد الدولة وصناعة البرمجيات» لتعزيز عظمة الأمة الأميركية. وكما هو متوقّع، فإن رأسمالية الدولة معرّضة دائماً لخطر التحول إلى رأسمالية ضيقة. فبعد الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، أعلن ترامب أنه سيسيطر سيطرةً مباشرة على عائدات النفط في البلاد، وألمح إلى أنه قد يمنع شركة «إكسون موبيل» من الاستثمار في فنزويلا لأن رئيسها التنفيذي لم يكن متحمساً بما فيه الكفاية للاستثمار هناك. كما تنازل من جانب واحد عن المواعيد النهائية لشركة التكنولوجيا الصينية «بايت دانس» لبيع تطبيق التواصل الاجتماعي «تيك توك»، ثم توسّط في صفقة لبيعه لمجموعة من المستثمرين، بعضهم على صلة بالرئيس. ويميل المسؤولون الحكوميون إلى الغموض بشأن أهدافهم: هل يخلقون فرص عمل أم يعزّزون النمو؟ ويتباطؤون في وقف المشاريع الفاشلة مثل شركة سوليندرا الخضراء التي كلفت دافعي الضرائب أكثر من 500 مليون دولار. ويُقدّر صندوق النقد الدولي أن أخطاء تخصيص الموارد المرتبط بالسياسات الصناعية الصينية بين عامي 2009 و2018 خفّض الإنتاجية الإجمالية للصين بنحو 1.2%.
ومع ذلك، يبدو أن رأسمالية الدولة باقية، ليس فقط بسبب المنافسة مع الصين، بل أيضاً بسبب تحولات عميقة في الاقتصاد الذي بات تهيمن عليه شركات التكنولوجيا الكبرى المرتبطة بالدولة الأميركية. فبينما ركّزت شركات مثل «فيسبوك» و«تويتر» سابقاً على الإعلانات، تُركّز شركات مثل «بالانتير» و«سبيس إكس» على عقود الدفاع والاستخبارات.
كما أن العالم دخل في ما يسميه بعض الأكاديميين «دوامة رأسمالية الدولة»، حيث تتسابق الدول لفرض قيود تجارية واستخدام أدوات اقتصادية جديدة. قد يبدو هذا العالم الجديد، حيث تتداخل السلطة السياسية مع الاقتصادية، مقلقاً للبعض، لكن من غير المرجَّح التراجع عنه قريباً. والحل الأفضل على المدى القصير هو إدارة هذا النموذج بشكل أفضل، أي عبر قوانين مكافحة الاحتكار، وتجنّب الإفراط في التدخل، والانتباه لمخاطر المحاباة والفساد.. وهو ما يبدو صعباً في ظل الحالة الأميركية الراهنة.
 


*كاتب أميركي ومؤلف كتاب «أرستقراطية المواهب: كيف صنعت الجدارةُ العالَمَ الحديث؟»

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»



إقرأ المزيد