ما بعد حرب إيران: تعزيز مكانة الإمارات قوة متوسطة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

 قد يمثّل وقف إطلاق النار الحالي بين الولايات المتحدة وإيران نقطة انطلاق نحو معالجة متدرجة، وعلى الأغلب جزئية، لأزمة تنطوي على الكثير من التعقيد والتشابك. لا يُخفف خفض التصعيد الحالي المرحب به من هول العدوان الإيراني على الإمارات ودول الخليج. آثاره وتداعياته ستبقى حتى تُثبِت إيران أنها جارة وليست برميل بارود مهدِّد لجيرانه.
من الأخطاء التحليلية افتراض أن دولة الإمارات بنت نموذجها التنموي على الرهان بأن الحروب والأزمات لن تنال الإمارات أو مدن الخليج أبداً. لو كان ذلك الافتراض صحيحاً لما شهدنا نجاح الإمارات الكبير في صد الاعتداءات الإيرانية المكثفة على دولة الإمارات. هذا النجاح انبنى على تفكير إماراتي استباقي منذ عقود، وليس الآن، ارتكز على أن البناء والتنمية لهما أعداء يتربصون ويتحينون الفرصة للهجوم والتهديد والاعتداء. الاستثمار الإماراتي المكثّف في منظومات الأمن والدفاع كان انعكاساً لفهم استراتيجي عميق لطبيعة التهديدات الحقيقية والمتصورة. وعليه، فإن افتراض أن النموذج التنموي الإماراتي قام على أساس «صِفر تهديدات» ليس دقيقاً. وفي منطقة مضطربة ودائمة التوتر فإن من غير المتوقع لأي تخطيط مستقبلي خليجي أن يذهب إلى أن التهديدات قد تختفي في يوم من الأيام. وبالتالي، فإن حديث بعض المراقبين عن تراجع أسطورة الأمان وانتهاء العصر الذهبي للخليج، يحتاج إلى إعادة نظر ومراجعة، لأن ذاك الأمان، الحقيقي بالفعل في إطار النظرة النسبية وليس الأسطورية، ترسّخ بفعل الإدارة والتخطيط والتدابير المتراكمة وليس بفعل انتفاء التهديدات وغياب التحديات، بما فيها العسكرية والإرهابية.
مع التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، قد تكون الحرب فرضت ضغوطاً قصيرة الأمد على بعض أشكال القوة التي تستند إليها دولة الإمارات كقوة متوسطة، لا سيما في ما يتعلق بانسيابية الحركة الاقتصادية، من دون أن ترقى هذه الضغوط إلى مستوى التأثير البنيوي.
وفي ضوء ما تمتلكه الإمارات من هوامش مالية واسعة، وتنوع اقتصادي متقدم، وقدرة مؤسسية على إدارة الأزمات، تبدو هذه التحديات أقرب إلى اختبار مرحلي تمّت إدارته بكفاءة، وربما يعيد تأكيد موقع الإمارات كعقدة استقرار وفاعل موازن في بيئة إقليمية مضطربة.
وفي هذا السياق، برزت الحرب في جوهرها كاختبار يكشف عن مستوى المرونة، وكفاءة القدرات المؤسسية، والرشاقة الاستراتيجية في التعامل مع الضغوط والصدمات، بحيث تصبح إدارة الأزمة بفعالية والحفاظ على الاستقرار عاملاً معززاً لمكانة الدولة، ويعيد ترسيخ دورها مركزاً موثوقاً للاستقرار.
وحسب المراقبين، فإنه بالنسبة للمستثمرين، يُذكّر ردّ دولة الإمارات على الأزمة الحالية في المنطقة بأزمات سابقة. فبعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، ضاعفت دبي استثماراتها في البنية التحتية، ونفّذت مشاريع ضخمة، مثل مترو دبي وبرج خليفة كرموز لطموحها طويل الأمد. وبعد جائحة كوفيد-19، جمع معرض «إكسبو دبي 2020» 192 دولة وأكثر من 24 مليون زائر.
لقد نالت الإمارات، للأسف، النصيب الأكبر من الاعتداءات الإيرانية بالصواريخ والمسيّرات، التي تمكنت الإمارات من صد الغالبية العظمى منها بكفاءة وفي الحد الأدنى من الأضرار. وبرغم أن هذه الحرب وتصاعدها كان مفاجئاً، فقد أظهرت الإمارات استعدادها للتصدي، وبدا أن استثمارها في القدرات الدفاعية المتنوعة والمتقدمة على مدى العقدين الماضيين كان في مكانه، وعزز، بالتالي، من مكانتها كقوة متوسطة، في ظل أزمة إقليمية معقدة ذات أبعاد وتداعيات على الاقتصاد الدولي.
ليست الحرب خياراً مفضّلاً للإمارات، ومن الطبيعي أن يكون للحرب إكراهاتها وضغوطها العسكرية والاقتصادية، والتحدي إدارتها بكفاءة تحافظ على النموذج التنموي الإماراتي. لقد واجهت الإمارات، وخاصة دبي، حالات مشابهة سابقة في الأزمة المالية العالمية، وفي أثناء وباء كوفيد-19، وكان ثمة حديث متكرر عن  توصيفات وسيناريوهات ثبت عدم دقتها. لا يقلل هذا من التحدي الذي فرضته الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران، لكنّ الحكومة الإماراتية أظهرت تماسكاً وكفاءة مؤسسية، كانت محل تقدير من أكثر من مائة دولة عبر العالم تواصلت مع القيادات الإماراتية للتعبير عن تضامنها وثقتها بالإجراءات الإماراتية التي اتُّبِعت طيلة هذه الحرب، وهي إجراءات لم تحمِ المواطنين والمقدرات الإماراتية فقط، بل حمت أيضاً المقيمين من جميع الجنسيات، الذين تأثروا بدرجة أو بأخرى، لكن لم يتعطل الهامش الأكبر من حياتهم اليومية.
الإمارات كقوة متوسطة لديها من القدرات المالية واللوجستية والمؤسسية والدفاعية والعلاقات الدولية التي بمقدورها الاستمرار في تقديم نفسها كمكان حيوي للتجارة والاستثمار والعمل، وكعقدة استراتيجية موثوقة في بيئة مضطربة. 
وفي عالم متغير، تتصدر فكرة الاتصال (connectivity) ومشاريع ومبادرات الربط أهمية مركزية في نهج السياسة الخارجية الإماراتية وتوجهاتها التجارية والاستثمارية، لأنها تمنح القيمة الاستراتيجية المضافة لموقع الإمارات الجغرافي، كحلقة وصل بين القارات ومشاريع التكامل الاقتصادي العابرة للدول.
القوة المتوسطة قد تتضرر وتتحمل الأكلاف، وحال انتهاء الأزمة قد تمضي بقوة أكبر تصطحب معها دروساً استراتيجية للتقدم نحو مزيد من الاستثمار في تخفيف المخاطر واستراتيجيات التكيّف وإعادة ضبط الأولويات، إلى جانب مأسسة المرونة الاستراتيجية، حيث كما يُقال «عند الأزمات قد تتقدم المرونة على الكفاءة»، وكل هذا مختلف عن صيغ «الانهيار» أو فقدان المكانة. 
وحتى مع الهدنة الحالية، ومع أنه لا تزال تفاصيل كيفية إعادة فتح مضيق هرمز غامضة، فعلى الأرجح، أن إيران أخطأت في حساباتها ولم تتوقع مثل هذه القدرة الإماراتية على الصمود ومواجهة الاعتداءات، وهي قدرة متنوعة وعميقة من الواضح أنها سوف تستمر، حتى في ظل عدم رغبة الإمارات في إطالة مدى الأزمة في إيران أو توسعها وقبولها المبدئي بخفض التصعيد الحالي المشروط. هذا يعني أن مكانة الإمارات كقوة متوسطة لم تتأثر في المجمل بهذه الحرب، بل من الوارد أن تزيد هذه المكانة بعد الحرب، في حال جرت المفاوضات في الأيام المقبلة بنجاح، وتمّت إدارة التهديدات الإيرانية بكفاءة واقتدار من جانب المجتمع الدولي.
*رئيس مركز الإمارات للسياسات. 



إقرأ المزيد