حرب إيران.. و«هندسة» التوازن العالمي
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

 كنتيجة طبيعية لتأثرها بتداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، تراجعت حيازاتُ البنوك المركزية والحكومات والمؤسسات الدولية لدى الفيديرالي الأميركي في نيويورك إلى أدنى مستوى منذ عام 2012، إذ باعت الدول جزءاً مما لديها من سندات الخزينة لدعم اقتصاداتها. ووفق بيانات الفيدرالي، فقد بلغ حجم هذا التراجع 82 مليار دولار منذ 25 فبراير الماضي لتصل 2.7 تريليون دولار، مع العلم بأن البنوك المركزية العالمية تعتمد على السندات كأصل احتياطي رئيسي، نظراً لأهمية سوق هذه السندات التي بلغ حجمها 30.6 تريليون دولار، وهي الأكبر والأعمق في العالم.
أما أسباب هذه الهجرة شبه الجماعية من سندات الخزينة، والتي وُصفت بأنها حركة دفاعية بامتياز تعكس عقلانيةَ الاحتياطي، فهي تعود وفق الخبراء إلى عوامل عدة، لعلّ أهمها حاجة تلك الدول إلى السيولة لشراء الطاقة من نفط وغاز، إضافة إلى التحوط من خسائر التقييم بعد ارتفاع العوائد وتراجع أسعار السندات، وكذلك الرغبة في تقليص المخاطر المرتبطة بالتضخم والعجز المالي الأميركي. ولوحظ أن البنك المركزي التركي باع وحده سندات بقيمة 22 مليار دولار، كما سحبت الهندُ وتايلاند جزءاً من احتياطاتها من السندات.
وفي المقابل، تتزايد رهانات البنوك الاستثمارية على صمود الاقتصاد الصيني، حيث عكس أداءُ الأسواق خلال مارس الماضي تفوقاً نسبياً للصين مقارنةً بنظرائها في آسيا والعالم، حيث تتزايد جاذبية الأسهم الصينية لدى المستثمرين العالميين، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط. وتَبرز الصينُ كخيار مفضل نتيجةَ مرونتها الاقتصادية، وتراجع تأثّرها بصدمات النفط العالمية. وقد وُصفت، باعتبارها «ملاذاً آمناً نسبياً»، في وقت تواصل فيه تداعياتُ الحرب إضعافَ شهية المخاطرة في الأسواق العالمية.
وفي هذا السياق، لا يمكن قراءة الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران بمعزل عن سياق التنافس البنيوي بين واشنطن وبكين، فهذه الحرب لم تكن مجرد عملية عسكرية تستهدف البرنامج النووي الإيراني، أو تقويض نفوذ طهران الإقليمي، بل حملت أيضاً إلى جانب ذلك رسالةً استراتيجيةً أوسع، ربما تشمل إعادةَ ضبط ميزان الطاقة في لحظة انتقال دولي حسّاسة. وينطلق هذا الاعتقاد من أن إيران تشكل حلقةً مركزية في شبكة طرق الطاقة التي تحتاج إليها الصين، ولذا يرى البعض أن الحربَ أصبحت جزءاً من أدوات إعادة هندسة التوازن العالمي. وهكذا تتحوّل طهران إلى ورقة ضغط «جيواستراتيجية»، في صراع على مستقبل النظام الدولي.
لقد أطلق بعض الخبراء على العام الحالي «عام النفوذ والتحولات الكبرى»، حيث يقف العالم على مفترق طرق استراتيجي حاد، تعاد فيه صياغة موازين القوى الدولية، ورسم خارطة النفوذ ضمن صراعات تتجاوز الأبعاد التقليدية من حروب حدودية أو نزاعات اقتصادية. وهذا مع الإشارة إلى أن التنافس الأميركي الصيني لم يعد يقتصر على التجارة أو التكنولوجيا فحسب، بل تحوّل إلى منافسة على قيادة الاقتصاد العالمي، وذلك في وقت أعاد فيه الصراع في أوكرانيا إحياء الحرب الباردة، وأبرز حدود التوازن الأوروبي، لاسيما مع توسع حلف الناتو، ومحدودية الردع الروسي.


*كاتب لبناني متخصص في الشؤون الاقتصادية



إقرأ المزيد