جريدة الإتحاد - 4/11/2026 12:00:17 AM - GMT (+4 )
ساهمت ثلاثة عوامل في نشر اللغة وتوسيع نطاق التداول بها. وهذه العوامل هي: الدين والتجارة والفتوحات التوسعية. وقد حمل أصحاب البضائع والمنتوجات، وكذلك الفاتحون وجنود الحملات العسكرية، شأنهم شأن أصحاب الأديان والعقائد.. جميعاً حملوا لغاتهم معهم. وتحوّلت هذه اللغات بحكم المصالح أو تحت تأثير الهيمنة إلى لغات للتدريس وللتعامل المتبادل بين الناس في شؤون حياتهم المشتركة.
انتشرت اللغة الإيطالية في عصر النهضة الأوروبية. وانتشرت اللغة الإنجليزية في العصر الذي تحوّلت معه بريطانيا إلى إمبراطورية كبرى لا تغيب عنها الشمس.
وخرجت اللغة العربية مع الإسلام من قلب الجزيرة العربية إلى إندونيسيا وأجزاء واسعة من آسيا وأفريقيا. وحمل الإسبان لغتهم إلى أميركا الجنوبية. وكذلك فعل البرتغاليون، حيث لا تزال اللغة البرتغالية سائدة في الأرجنتين.
وبطبيعة الحال فقد كان هذا الانتشار على حساب اللغات المحلية التي حلّت اللغات الوافدة محلّها وهيمنت عليها، بحيث إنها فقدت دورها كأداة للمعرفة والتواصل، بل فقدت وجودها في كثير من الحالات وتلاشت تدريجياً.
في عام 1990 حاولت هولندا اعتماد اللغة الإنجليزية لغةً وحيدة في التعليم الجامعي، لكن محاولتها تلك لم يُكتب لها الاستمرار، لأسباب سياسية واجتماعية وثقافية متشابكة.
وقد حدث مثل ذلك مراراً في التاريخ البعيد. فاللغة الفينيقية التي انطلقت من لبنان مع الفينيقيين أصبحت ذات حقبةٍ لغةَ الامبراطورية القرطاجية (شمال أفريقيا) إلى أن تغلّب عليها الرومان. ثم سادت اللغة اليونانية في شمال وفي جنوب وشرق المتوسط لمدة تزيد على ألف عام.
وفي وقتنا الحالي تسود اللغة الإنجليزية في معظم دول أنحاء آسيا وأميركا وأفريقيا. إلا أن التحولات الإلكترونية الحديثة بدأت تفرض واقعاً مختلفاً. فقد أطلق هذا الواقع الصراعَ بين لغة التكنولوجيا الإلكترونية واللغات الوطنية والمحلية، بما في ذلك اللغات السائدة والأوسع انتشاراً كالإنجليزية والفرنسية والإسبانية.
ويقدّر عدد المتحدثين باللغة الإنجليزية على مستوى العالم بحوالي مليار شخص، منهم 330 مليوناً فقط يعتبرون الإنجليزية لغتهم الأمّ.. ولكن إلى متى؟
هناك عامل ثانٍ يُضاف إلى التكنولوجيا يهدّد بالحدّ من انتشار اللغة الأجنبية المهيمنة، مثل الروسية في آسيا الوسطى، والإنجليزية في الهند وباكستان، والفرنسية في شمال ووسط أفريقيا.
لكن تبقى المعرفة اللغوية ضرورة إنسانية. ففي كتاب للباحث اللغوي مايكل ابراد عنوانه «لا بابل بعد الآن»، يروي المؤلف قصةَ عالِم إيطالي كان يعيش في مدينة بولونيا، اسمه كاردينال مينروفانتي (ولد في عام 1774). تقول القصة إنه كان يتكلم 72 لغةً مختلفة، وإن زوّاراً من مختلف مدن أوروبا كانوا يزورون بولونيا خصيصاً للتأكد من صحة هذه الظاهرة اللغوية العجيبة. وكانوا يخرجون من لقائه مذهولين من سعة معرفته بهذا العدد الكبير من اللغات.
وفي عصرنا الحديث عرفت الولايات المتحدة الأميركية ظاهرة لغوية من هذا النوع في ولاية ماساتشوستس تمثّلت في العالِم اللغوي كيل هيل (توفي في عام 2001) الذي كان يُجيد خمسين لغة.
في عام 1991 اكتشف العلماء جثةً مجمّدةً لرجل مدفون تحت الثلوج في المرتفعات الجبلية بين النمسا وبريطانيا. عمر الجثة 5300 عام. حافظت الثلوج على تكوين الجثة طوال هذه السنوات، الأمر الذي مكّن العلماءَ من استخراج مادة «دي.أن.إيه» منها وتحديد أصولها. بعد ذلك بحث العلماء عن أحياء يحملون هذه المادة الوراثية التي تحدّد هوية ذلك الشخص وتكوينه المميز. فعثروا في منطقة غرب التيرول في النمسا على 19 شخصاً يحملون ذات المواصفات التكوينية لجثة رجل الثلج.. لكنهم بالتأكيد لا يتكلمون لغته!
*كاتب لبناني
إقرأ المزيد


