الإمارات حسمتها مبكراً.. التهدئة التي لا تُقيّد التهديد ليست استقراراً
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

إعلان نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، بعد 21 ساعة من المفاوضات الأميركية مع وفد النظام الإيراني الإرهابي، لم يكن مجرد إقرار بفشل مسار تفاوضي، بل إعلاناً عن انهيار المقاربة التي قام عليها، وتثبيتاً متأخراً لحقيقة سبقت إليها دولة الإمارات في بيانها: أن التهدئة التي لا تقيّد التهديد ليست استقراراً، بل إعادة إنتاج للأزمة بصيغة أقل كلفة.
ما صدر عن واشنطن في نهاية هذا المسار لم يكشف تعثُّر التفاوض بقدر ما كشف عجز الإطار الذي حاول احتواءه. والخلل لم يكن في غياب اتفاق، بل في محاولة هندسة اتفاق فوق تناقضات لا تقبل التسوية. الوهم الحقيقي كان الاعتقاد بإمكان جمع مسارات متعارضة داخل صفقة واحدة من دون أن تنفجر.
هنا تتأكد مصداقية القراءة الإماراتية: قيمة التهدئة لا تُقاس بحدوثها، بل بقدرتها على كبح بنية التهديد، لا منحها فرصة لإعادة التموضع. ولهذا لم يُقرأ البيان الإماراتي الهدنة بوصفها نهاية أزمة، بل اختباراً صارماً: هل أُغلقت مسارات الخطر فعلاً، أم جرى فقط تجميدها؟ إعلان جي دي فانس لم يقدّم تفسيراً جديداً، بل أكد أن جوهر المشكلة بقي قائماً، وأن ما بدا محاولة حل لم يكن سوى تأجيل لانكشاف أعمق.
تعريف الظاهرة يتجاوز هذه الجولة. نحن أمام منطقين لا يلتقيان: منطق يريد إغلاق الملفات وتحويلها إلى التزامات نهائية، ومنطق آخر يبني نفوذه على إبقائها مفتوحة واستخدامها كأدوات ضغط وتوسُّع وبناء مركز قوة إقليمي.
وبين هذين المسارين، يفقد التفاوض وظيفته كأداة للحل، ويتحول إلى مساحة لإدارة التناقض لا إنهائه، حيث يُستخدم الزمن لإعادة ترتيب موازين القوة، لا لتقليصها.
حين دفعت واشنطن بنائب رئيسها إلى الطاولة، لم تكن ترفع مستوى التمثيل فقط، بل كانت تعلن أن ما يُطرح هو الحدّ الأقصى الممكن سياسياً. وجوده يمثّل إشارة حاسمة إلى أن هامش المناورة بلغ نهايته. وما قيل عن «العرض الأخير» لا يُفهم كأداة ضغط تفاوضي، بل كإغلاق فعلي لمسار كامل من الدبلوماسية المفتوحة.
ما كانت تحاول هذه الجولة إنتاجه لم يكن اتفاقاً نووياً تقليدياً، بل حزمة واحدة تضبط في آنٍ واحد البرنامج النووي، وأمن الملاحة في مضيق هرمز، وحدود الاشتباك الإقليمي. لكن هذه ليست ملّفات متجاورة، بل طبقات صراع مختلفة: تقني، وسيادي، وجيوسياسي. جمعها في صفقة واحدة لا يصنع توازناً، بل يضاعف احتمالات الانهيار، لأن أي تنازل في مسار يتحول إلى كلفة في مسار آخر.
ما يجري يتجاوز الردع التقليدي. إيران لا تخفّض كلفة المواجهة عليها، بل ترفعها على العالم. الصراع يُدار بمنطق إعادة توزيع الكلفة: تحويل الحسم إلى عبء دولي، واستمرار الأزمة إلى خيار أقل كلفة من إنهائها.
وهنا تتأكد سلامة التقدير الإماراتي: التهديد ليس ملفاً منفصلاً، بل منظومة مترابطة. وأي محاولة لتجزئته لا تنتهي إلى حلّه، بل إلى إعادة إنتاجه. والاستقرار لا يبدأ من وقف النار، بل من إغلاق المسارات التي يعود منها الخطر.
وفي هذا المستوى، تظهر الحقيقة: النظام الذي يُنتج التهديد كمنظومة عمل، ويُصدّر أدواته عبر الأذرع والبرامج والضغط الجيوسياسي، لا يمكن احتواؤه عبر نصوص جزئية أو تفاهمات مؤقتة. ليست المشكلة في مبدأ التفاوض، بل في حدوده حين يواجه بنية تعتبر الأزمة جزءاً من طريقة عملها.
ما كشفه خطاب جي دي فانس يتجاوز تحميل المسؤولية. اللغة المستخدمة، التعنت، غياب الضمانات، الفرصة الأخيرة، ليست توصيفاً، بل تأسيس لمرحلة جديدة تُنقل فيها الأزمة من مسار التفاوض إلى مسار الضغط. وهنا يظهر البيان الإماراتي كقراءة أكثر دقة من لحظة الحدث نفسها: التهدئة التي لا تقيّد التهديد ليست حلاً، بل تأجيل مكلف له.
المفهوم الحاسم هنا ليس صراع إرادات فقط، بل صراع وظائف: طرف يسعى إلى إنهاء الأزمة، وآخر يعيد إنتاجها كأداة قوة. وعندما تتعارض الوظيفة، يصبح الفشل نتيجة طبيعية، لا خللاً تفاوضياً.
*كاتب وباحث إماراتي.



إقرأ المزيد