جريدة الإتحاد - 4/15/2026 11:06:25 PM - GMT (+4 )
تُقاس الدول بظاهر أفعالها، غير أنَّ الفعل السياسي ينهل من منابع أعمق تتصل بالبنية الفكرية والغاية الكامنة خلف القرار. علم السياسة الحديث، في امتداده السلوكي والمعرفي، يقرّر أنَّ أنماط السلوك السياسي تنبع من أنساق اعتقادية راسخة تُشكّل الإدراك وتوجّه القرار. ولهذا تغدو دراسة التيلولوجيا، بما تحمله من تصور للغاية والوظيفة، مدخلاً ضرورياً لفهم مسارات الدول، إذ لا يُفهم السلوك من ظاهره وحده، وإنما من منطقه الداخلي الذي يمنحه المعنى والاتجاه.
يندرج سلوك النظام الإيراني ضمن هذا الإطار، حيث يتعذر استيعاب أفعاله دون النفاذ إلى بنيته الفكرية واستجلاء بُعده الغائي. فذلك النَّسق لا يقدّم خطاباً سياسياً تقليدياً، وإنما يطرح تصوراً كلياً للعالم والسلطة والوظيفة، يُعيد تشكيل الواقع وفق غاياته الخاصة. ومن خلال هذا المنظور تتضح ملامح السلوك الراهن بوصفه امتداداً عضوياً لبنية فكرية تؤسّس له وتمنحه مشروعيته الداخلية.
أفضت ثورة الخميني إلى تحوّل جذري في بنية الدولة الإيرانية، حيث تراجعت ملامح الدولة القومية لصالح نموذج ديني ذي طابع راديكالي. أُعيد تعريف السلطة بوصفها امتداداً لولاية ذات مضمون عقدي، وتحولت الحكومة إلى أداة تنفيذية تخدم مشروعاً ميتافيزيقياً يتجاوز حدود السياسة التقليدية. في هذا السياق، أُعيد تشكيل الهوية الجمعية عبر منظومة فكرية وثقافية تستبطن الغاية الكبرى، وتُعيد صياغة المجتمع بما يتلاءم مع مقتضيات هذا المشروع، حتى غدا الانتماء الوطني متداخلاً مع انتماء عَقَدي راديكالي يحدّد مسار الدولة والمجتمع معاً.
انعكس هذا التأسيس الفكري على سلوك النظام في المجالين السياسي والعسكري، حيث جرى توجيه الثروات نحو بناء قدرات استراتيجية ذات طابع تصعيدي، شملت تطوير برامج نووية وصواريخ باليستية، إلى جانب بناء شبكات نفوذ عبر ميليشيات تعمل كوكلاء في الإقليم. وقد تجلّت آثار هذا التوجه في مسارح متعددة، من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن، حيث ارتبط الحضور الإيراني بأنماط من العنف والفوضى وعدم الاستقرار، وبممارسات أفضت إلى تفكيك البنى الوطنية وإعادة تشكيلها وفق مقتضيات المشروع الإيراني، مع امتدادات طالت البيئة الخليجية في صورة تهديدات متكررة للأمن والاستقرار.
يستند هذا السلوك إلى بنية فكرية تتغذى من مفاهيم مركزية في الخطاب الإيراني، من أبرزها مفهوم «ولاية الفقيه» بوصفه إطاراً للسلطة، ومفهوم «تصدير الثورة» كآلية لتمديد المجال الحيوي للمشروع.
في هذا السياق، يتداخل البُعد الديني مع البُعد السياسي في صياغة رؤية للعالم تقوم على ثنائية الرسالة والامتداد، حيث تُفهم الجغرافيا بوصفها مجالاً لتحقيق غاية تتجاوز حدود الدولة. كما يبرز حضور أطروحات «المهدي المنتظر» في الخطاب الرسمي، بما يحمله من تصور للزمن والتاريخ، حيث يُعاد تأويل الواقع ضمن سردية انتظار الفرج، وتُمنح الأفعال السياسية بعداً غائياً يربط الحاضر بمستقبل خرافي متخيَّل. هذا التكوين الفكري يمنح السلوك طابعاً استمراريّاً، ويُضفي عليه معنى يتجاوز الحسابات السياسية الواقعية والمنطقية.
في هذا الإطار، يكتسب مضيق مضيق هرمز موقعاً مركزياً في السلوك الإرهابي الإيراني، حيث يتحول إلى أداة ضغط تستند إلى موقعه الحيوي في منظومة الطاقة العالمية. وتُوظَّف السيطرة عليه والقدرة على التهديد في هذا الممر لإنتاج حالة من الابتزاز السياسي والاقتصادي، تستهدف دول الخليج والأسواق الدولية على حدٍّ سواء. هذا السلوك ينعكس في تهديدات متكررة لإمدادات الطاقة، وفي ممارسات تضع أمن الملاحة في دائرة الخطر، بما يضفي على هذا الفعل طابعاً يتجاوز النزاعات التقليدية ليقترب من مفهوم الجريمة الدولية، بالنظر إلى أثره العابر للحدود وانعكاساته على الاستقرار العالمي. تعاملت القوى الدولية مع هذا السلوك عبر مسارات متعددة، شملت العقوبات والمفاوضات ومحاولات الاحتواء، غير أنَّ هذه المقاربات اصطدمت ببنية النظام ذاته، التي تستند إلى منطق غائي يتجاوز إدراك النظام الدولي واستيعابه.
وقد برز ذلك في تعثُّر مسارات تفاوضية، من بينها ما عُرف بمحادثات إسلام آباد، حيث لم تُفضِ الجهود إلى تحوّل جوهري في الإدارة والسلوك. في المقابل، استمر النظام في توظيف موارده الداخلية ضمن هذا المسار، مع تحميل المجتمع الإيراني تبعات اقتصادية واجتماعية متزايدة، بالتوازي مع استمرار خطاب أيديولوجي حاد يتسم بتغذية التطرف وتوسيع دوائر العداء، بما يعكس تعنتاً حول غايته، حتى في ظل الضغوط الخارجية. ويُفضي أي تحليل يفصل بين البنية العقدية والتيلولوجيا (علم الغايات) وبين السلوك السياسي إلى قراءة قاصرة تُنتج قرارات غير متوازنة.
فالفهم الدقيق يقتضي النظر إلى هذا السلوك بوصفه تعبيراً عن منظومة فكرية متكاملة تحدّد غايته ومساره. وفي هذا السياق، فإن منح هذا النموذج مساحة إضافية للحركة يكرّس حضوره ويضفي عليه شرعية ضمنية. ومن منظور إنساني وأخلاقي عالمي، تبرز ضرورة معالجة الجذر الفكري لهذا النمط، بما يفتح المجال أمام تحولات تُمكّن المجتمع الإيراني من استعادة توازنه، وتُعيد إدماجه في سياق دولي قائم على المواطنة والتعايش.
*كاتب إماراتي.
إقرأ المزيد


