ما بعد إسلام آباد
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

 انتهت جولة إسلام آباد بلا اتفاق، لكن أهم ما كشفته لم يكن فقط تعثر التفاوض بين واشنطن وطهران، بل حدوده. فقد تعثّرت الجولة لأن الخلاف كان على الأسس الرئيسية لأي تسوية، من البرنامج النووي الإيراني ومخزون اليورانيوم عالي التخصيب، إلى فتح مضيق هرمز بلا قيود أو رسوم، وأمن دول الخليج، وحدود الدور الإيراني عبر أذرعه الإقليمية.

ثم جاء التحرك الأميركي في هرمز ليعكس هذا التعثر. فالولايات المتحدة لم تغلق المضيق كاملاً، لكنها حظرت حركة السفن الداخلة إلى الموانئ الإيرانية والخارجة منها، مع استثناء العبور إلى الموانئ الأخرى. وبذلك لم تعُد المسألة فتح المضيق فقط، بل من يفرض قواعد المرور فيه. ولم تنضم بريطانيا إلى الحصار الأميركي، بل أعلنت أولوية فتح المضيق بالكامل، فيما تتحرك مع فرنسا نحو ترتيبات دفاعية متعددة الجنسيات لحماية حرية الملاحة.

وبذلك اتسع المشهد إلى تنافس بين مقاربتين، واحدة تضغط بالعقوبات البحرية، وأخرى تؤمّن الملاحة بترتيبات دولية. وكان الموقف الإماراتي الأوضح في تعريف المشكلة. فالإمارات لم تنظر إلى هرمز بوصفه ممراً للطاقة فقط، بل قضية قانونية وأمنية واقتصادية تمس الخليج والعالم. فمضيق هرمز ليس ملكاً لإيران حتى تغلقه أو تقيّد الملاحة فيه. وأي محاولة لربط العبور بإذن سياسي أو برسوم أو بابتزاز لا تعني خلافاً إقليمياً محدوداً، بل تهديداً مباشراً لشريان اقتصادي عالمي.

ويُظهر الملف اللبناني أن المسألة لا ترتبط بالتفاوض بين واشنطن وطهران وحده، بل أيضاً بموقع الأذرع الإيرانية، وفي مقدمتها «حزب الله». لذلك فإن أي تفاهم لا يلامس هذا الملف سيبقى ناقصاً، لأن التهديد لا يتوقف عند حدود التفاوض، بل يمتد إلى شبكة نفوذ تستخدمها إيران لإبقاء الضغط على أكثر من جبهة. الخليج ليس طرفاً ثانوياً حتى يبقى متلقياً لنتائج تفاهمات ثنائية بين واشنطن وطهران، لأن الحرب دفعت إلى مراجعة أوسع للترتيب الأمني الذي تحتاج إليه المنطقة، وللجهة القادرة على حماية الملاحة والاستقرار.

فالكلفة الخليجية كانت مباشرة في الأمن والطاقة والبنية التحتية والتجارة. وإذا كانت جولة إسلام آباد قد فشلت في إنتاج اتفاق، فإنها كشفت أن أي ترتيب مقبل لن يستقيم ما لم يكن أمن الخليج وحرية الملاحة في صلبه. لهذا بدت المقاربة الإماراتية أبعد من سجالات المنتصر والخاسر. فالمعيار لم يكن عدد الضربات ولا مستوى التصعيد، بل قدرة الدولة على مواصلة عملها تحت الضغط، من دون أن تهتز الثقة باقتصادها أو تتعطل الخدمات أو تنكمش حركة التجارة.

وبرغم الاعتداء الإيراني، استمر الاقتصاد والخدمات، وثبت الموقف السياسي والقانوني للدولة. كما أن ما بعد الحرب، في المنظور الإماراتي، لا يتوقف عند وقف النار أو فتح الممرات. فهناك سؤال المسؤولية والتعويضات والضمانات. ذلك أن أي تسوية تُبقي الاعتداء بلا كُلفة، أو تفتح باب العودة إلى التهديد لاحقاً، لن تكون تسوية مستقرة بل مجرد هدنة مؤقتة. ولهذا يصبح الربط بين حرية الملاحة وعدم تكرار الاعتداءات وتعويض الأضرار جزءاً من تعريف الأمن، بل عنصراً أساسياً فيه. لم تعُد المسألة في إمكان عقد جولة تفاوض جديدة، بل في ما إذا كانت واشنطن وطهران قادرتين على تعديل الخلافات التي عطّلت الجولة الأولى.

وحتى مع التقارير عن جولة ثانية محتملة في إسلام آباد أو جنيف، فإن العبرة ليست في انعقادها، بل في قدرتها على إحداث تغيير حقيقي. أما إذا بقيّت طهران على موقفها، فإن الحصار البحري الأميركي لن يكون سوى مرحلة في مسار ضغط متصاعد. والثابت أن الهدنة لم تنتج اختراقاً، بل أكدت أن أي تهدئة لا تمس جوهر الخلاف ستبقى محدودة وقابلة للاهتزاز. وهذا ما التقطته الإمارات منذ البداية.

*كاتب إماراتي
 



إقرأ المزيد