جريدة الإتحاد - 4/16/2026 11:54:49 PM - GMT (+4 )
بعدما تم اللقاء المخطط له بين مسؤولين من لبنان وإسرائيل، الثلاثاء الماضي، في واشنطن، أصبحت هذه المحادثات المباشرة هي الأولى بين الجارين في الشرق الأوسط منذ عام 1983. وفي العقود التي تلت ذلك، تعاملت إسرائيل بشكل أكثر نموذجية وبشكل مباشر، عبر العمل العسكري، مع ميليشيات «حزب الله» المدعومة من إيران، والتي عجزت الحكومات اللبنانية العاجزة عن نزع سلاحها أو لم ترغب في ذلك.وكانت الهجمات الصاروخية لـ«حزب الله» على إسرائيل، الشهر الماضي، دعماً لإيران في حربها مع إسرائيل والولايات المتحدة، قد أثارت رداً إسرائيلياً قوياً عابراً للحدود. وربما الآن، بعد أن شمل الهجوم الإسرائيلي ضربات تجاوزت مناطق الميليشيات المعتادة في الجنوب وفي ضاحية بيروت الجنوبية، ستقف الحكومة اللبنانية أخيراً للدفاع عن نفسها وعن شعبها. ومع انهيار قيادة الرعاة الإيرانيين للحزب، قد لا يحصل لبنان على فرصة أفضل لاستعادة سيادته. وكان من الصعب مشاهدة معاناة سكان أبرياء في أرض أجدادي.
لقد ضربت الصواريخُ أحياءَ أعرفها خلال زياراتي الصيفية. في الجنوب، يرفض اللبنانيون المسيحيون مغادرة قراهم القديمة، حتى تحت القصف الصاروخي. وكذلك بعض الشيعة، الذين أجبروا على إخلاء المنطقة مع استمرار الإسرائيليين في عملياتهم العسكرية. ورغم ذلك فقد نزح أكثر من مليون لبناني. تُصرّ إسرائيل على جعل المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني منطقةً عازلة، بعد أن سئمت من استخدام «حزب الله» لها مؤخراً كمنصة لإطلاق هجماته على الدولة العبرية. وظلت الحكومة اللبنانية تؤكد حتى وقت قريب أنها تمكنت بشكل أو بآخر من السيطرة على الجنوب في أعقاب الاشتباكات مع إسرائيل التي تلت الهجوم الذي شنته «حماس» من غزة في 7 أكتوبر 2023.
وتمت المحادثاتُ المباشرة بين إسرائيل ولبنان على الرغم من تدهور جهود السلام بين الولايات المتحدة وإيران. ولا تزال أمام الحكومة اللبنانية فرصة لاتخاذ خطوة تاريخية. ستستلزم هذه الخطوة الالتزام أخيراً برفض الوجود المسلح لـ«حزب الله» بشكل قاطع في أي مكان من لبنان، ومنع كل التدخلات الإيرانية في سيادة الدولة اللبنانية.
وحتى لو كان اللبنانيون محبطين من قصف إسرائيل لبلدهم، فإن مكرم رباح، الأستاذ المساعد في التاريخ بالجامعة الأميركية في بيروت، يرى أن «هناك سبباً لسقوط هذه الصواريخ الإسرائيلية علينا»، إذ إن الإسرائيليين أوضحوا للبنانيين أنهم لن يقبلوا بـ«حزب الله» مسلحاً، وإذا لم تتصرف الدولة اللبنانية، فهم سيتصرفون.
تماماً كما تعرضت قيادة إيران وجيشها لتدمير كبير بفعل الهجوم الأميركي الإسرائيلي المشترك، فإن «حزب الله» أيضاً في حالة أضعف بكثير مما كان عليه قبل هجوم 7 أكتوبر 2023. قطعت إسرائيل رأس قيادة الجماعة المسلحة خلال أكثر من عام من الصراع، ثم أكد وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة قرارَ مجلس الأمن الدولي رقم 1701 الذي يدعو بالفعل إلى «نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة في لبنان».
وكانت هناك فترة من الأمل في أن تقوم الحكومة اللبنانية بواجبها. وخلال زيارتي لبيروت، في أغسطس الماضي، أعلنت الحكومةُ نيتَها نزعَ سلاح الحزب. وفي سبتمبر، قال الرئيس جوزيف عون إن احتكار الدولة للسلاح سيعيد «ثقة العالم بنا»، وسيُثبت «قدرة الدولة على الحفاظ على أمنها في مواجهة العدوان الإسرائيلي».
وقد تعهدت الحكومة بنزع سلاح «حزب الله» في الجنوب بحلول نهاية العام. وقالت لي هاجر حجّار شمعالي، المديرة السابقة لشؤون لبنان وسوريا في مجلس الأمن القومي الأميركي، إن «صدور قرار مجلس الوزراء بحد ذاته كان جيداً»، لكن ما تلا ذلك كان «كثيراً من الكلام بدون فعل».
وبصرف النظر عن خللها الطائفي، واجهت الدولة اللبنانية عقبتين رئيسيتين في التصدي لـ«حزب الله»؛ الأولى أن الحزب كان يعيد بناء نفسه، على الرغم من الضربات الإسرائيلية وجهود نزع السلاح المستمرة من قبل الجيش اللبناني.. والثانية كانت نفسية، إذ لا يزال اللبنانيون تحت وطأة صدمة الحرب الأهلية، وكثيرون يرون أن مواجهة جماعة منغرسة بعمق في النسيج الاجتماعي والسياسي للبلاد قد تكون مسعى مكلفاً.
لقد تحركت الحكومة اللبنانية بحذر شديد، مما أعطى الحزب المسلحَ فرصةً لشن صراع دموي آخر.
وقد تسبب هذا في إحباط الدولة اللبنانية لدرجة أنها أعلنت السفير الإيراني «شخصاً غير مرغوب فيه»، لكن ذلك لم يكن كافياً لطرده فعلياً عندما تمسك بموقفه. كما أعلن رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام حظر «الأنشطة العسكرية» لـ«حزب الله» ودعا الجيشَ إلى «منع أي هجمات تنطلق من الأراضي اللبنانية». لكن تقارير حديثة تشير إلى أن العماد رودولف هيكل، قائد الجيش اللبناني، ربما غير مستعد لمواجهة الحزب.
ونادراً ما تتكرر الفرص في الدبلوماسية، لكن المحادثات بين إسرائيل ولبنان في واشنطن ستشكل فرصةً ثانية للبنانيين. لقد سمع الإسرائيليون والأميركيون ما يكفي من الكلام، وحان وقت العمل. يمكن للبنانيين اتخاذ بعض الخطوات الصغيرة نحو الشرعية: طرد السفير الإيراني الذي لا يزل في البلاد، والمواجهة الفعلية لبلطجة «حزب الله» ومسلحيه في بيروت.
*كاتبة وزميلة معهد «ستيمبوت»
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


