هرمز وحرية المرور
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

منذ فتحنا أعيننا، وهذا الممر المائي يعيش أجمل حالاته، وتلك الجاريات تسير بسلاسة، ويتبعها أمل القاطنين على ظهرها بالوصول، وكانت الموجة البيضاء تلاحق نظرات عشاق اللون الأزرق، واللجة السابحة على فيض وقيظ، وكانت الزعانف في انتظار فطري للقمة تسبح على سطح أو تغوص في عمق، والحياة بمجملها زاهية، راقية برونق جمالها الفطري، ولكن لما تفوه المضيق بأيديولوجيا داكنة مثل أفعال أصحابها، تغير كل شيء، وصار العالم في سؤال الوجود الحتمي: كيف التخلص من هذه الموجة القاتمة دوماً؟ كيف التحرر من قوم فهموا الحياة على أنها نهر، ماؤه من دماء الأبرياء، وأن المضيق شريان حزن ودموع تذرف مدراراً، حسرة على خسارات يرتكبها بشر أو لنقل أشباه بشر لأسباب نفسية، ضاربة في أعماق التاريخ المشؤوم، المكلوم، المثلوم، المهموم بصور خيالية ليس لها جذر، ولا أساس إلا في رؤوس أصحاب البكاء على اللبن المسكوب. 
ولكن ومع كل هذه التشققات في قماشة المشاعر، والتي يوزعها قادة الشر في هذا العصر، فإن الفطرة سيدة الموقف، وأن المضيق الذي كان، سيكون بعزيمة الأوفياء، وإرادة النبلاء وقدرة النجباء، ولن يكون المضيق إلا كما كان، شريان حياة، وفماً ينطق بأن الحياة زاهية بوجود الحرية، والحرية مكفولة بحرية السباحة في عيني مضيق يتنشق الهواء الطلق من رئة عشاق الحياة، والذين في قلوبهم عشب الفرح ينمو أكثر كلما وسوست موجة في أسماع الذاهبين علواً، الناهضين إلى مدى أوسع من أبصار الذين لم يبصروا غير قارة مدلهمة اسمها قارة الحزن التاريخي والمستدام، والذي لا نهاية له إلا بنهاية الأفكار الضيقة، والأحلام المنقوشة بألوان الدموع الدامية. 
هرمز، هو ذلك اللسان البحري الدافئ، هو ذلك الشريان الحياتي المتدفق طموحاً نحو غايات التواصل والتداخل بين الأمم، فكيف له أن يتعافى ما دامت الرؤى الضيقة، تعتقد أنه ليس بحراً من ماء، بل هو شريان دماء، فلذلك آثرت على جعله ميدان مراهنات ومناقصات ومبايعات، وكأن بها تريد أن تجعل من كل ما يتعلق بالحياة، ليس أكثر من شرف رفيع أطيح به لحظة غدر، ويجب أن يكون هكذا. 
هذه مأساة الأمم التي تعتقد أنها لا تنهض إلا إذا بايعت النفس الأمارة بالسوء، وانبطحت تحت أقدام شيطان لئيم عتل زنيم، وقبلت أن تكون هكذا، لأن شريعة الغاب توحي لها بذلك. ولكن ومع كل هذه الهمجية والعنجهية، وهذه الصرعات العصرية المخالفة لديدن العصر، سوف يخرج المضيق معافى مشافى، ومن درن الضيق سيبدأ سفره من جديد في ربوع العالم وحقول الحياة، وسيكون الطائر الذي تم اقتناصه، ولكنه فر من قسورة، وصار حراً بفضل الشرفاء من بني البشر، في هذا العالم الوسيع. مضيق هرمز سيعود، ولن يكون رهينة لفئة أرادت أن تسيطر بقوة وهمية، وتتحكم بشريان حياة الكون بقبضة ظنت أنها فولاذية، فإذا بها تتكسر آحاداً.



إقرأ المزيد