عن التثاقف والعيش المشترك
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

من أهم ما يؤسّس للعلاقات الإنسانية بين الحضارات ويسهم في عيشها المشترك ما يُسمى بالتّثاقف، وهو عملية يكون فيها تبادل التأثير بين ثقافات مختلفة، فيقع تلاقح ثقافي بينها فيجعل الحوار ممكناً على قاعدة مفترضة مشتركة. وهي ظاهرة قديمة تتبادل الشعوب المختلفة عبرها عاداتها وأفكارها.
عُرفت ظاهرة التثاقف في الحضارة اليونانية حين تفاعلت بقوة مع الحضارات الشّرقية القديمة خاصة مع طاليس وأفلاطون اللذين عرفت عنهما زيارتهما لمصر، زيارة علمية كانت لها أثار عميقة في فلسفتيهما. كما عُرفت هذه الظاهرة في الحضارة الإسلامية منذ أن عرّب عمر بن الخطاب الدّواوين إلى أن قام المأمون في القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي بخطوته الكبرى في تأسيس بيت الحكمة الذي نقل الموروث اليوناني إلى اللسان العربي، وحقّق بذلك أكبر تثاقف فلسفي في الحضارة الإنسانية، قبل أن يُعْرف تثاقفٌ شبيه له مع اللاتين مذ ظفروا بطليطلة واتخذوها مركزاً لترجمة النّصوص الفلسفية العربية إلى اللسان اللاتيني، حتى إننا نجد نصوص ابن رشد الفلسفية قد ترجمت إلى هذا اللسان ولما يمض على وفاة الشّارح الأكبر أكثر من ربع قرن.
يعود الفضل في هذا التثّاقف بين العرب واللاتين إلى المراكز العلمية التي تكاثرت في ربوع العالمين الإسلامي واللاتيني، والتي جعلت هذا التثّاقف حبلاً سرياً يغذي الثقافتين، وإن كانت الثقافة اللاتينية أكثرها استفادة وأعظمها نفعاً.
ظلّ المسلمون عبر تاريخهم منفتحين على الآخر كما انفتح الآخر عليهم، وقد نتج عن هذا الانفتاح المتعدد تراث مشترك بين العرب واللاتين واليهود تجلى في الترّاث الفلسفي الإسلامي الذي كان الجسر الذي عبرت منه الفلسفة إلى الضفة الغربية، وكان لليهود، الذي عاشوا في المشرق الإسلامي، دور كبير في نقله والحفاظ عليه، حتى إننا نجد اليوم نصوصاً رشدية مفقودة في لغتها العربية لكنها حاضرة في اللسان العبري أو اللاتيني.
إنّني أعتقد أن من المداخل الكبرى لتأسيس تثاقف متين الاعتناء الأكاديمي العميق بالفلسفة الإسلامية ذات الثقافات الثلاث، فعلى مائدتها يلتقي الشّرق والغرب، وكل منهم يعتقد أنها مائدته التي أعدّها بعناية فائقة لأنها أصبحت جزءاً أصيلاً من موروثه العلمي والثقافي، فقد عرف أبناء الغرب من فلاسفة الشّرق ابن سينا وسمّوه «أفسينAvicen»، وعرفوا ابن باجة وسموه «أفامباس Avempace» وعرفوا ابن رشد وسموه «Averroes»، لقد جعلوا فلاسفة الإسلام جزءاً من تراثهم وخلعوا عليهم أسماء لاتينية وكأنهم يقولون بلسان الحال: هؤلاء منّا ونحن منهم.
إن العناية بالتلقّي العلمي لهذا التراث الفلسفي الضّخم عند المسلمين واللاتين واليهود، والفحص الفيلولوجي والنّصي له، ومُعاينة الكيفية التي أعيدت به صياغته ضمن كل من الثقافة الفلسفية العربية واللاتينية والعبرية لقمين أن يرد الاعتبار لهذا التراث الفلسفي المنسي والمغبون، وأن يزيح الغبار عن مئات من المخطوطات، بل الآلاف منها، والتي لا تزال ترزح تحت غياهب النّسيان في دهاليز مكتبات العالم، وكأنّها عزيز قوم ذُلّ، ويعطي نفساً قوياً لتثاقف معاصر أقوى لعيش مشترك ملاكه الثّقة المتبادلة لاختياله على بُسُط المعرفة والعلم والعرفان.
لقد ظلّت المراكز العلمية في الشّرق والغرب عبر التاريخ، ولا تزال، تقوم بهذه المهمة الجليلة، إذ ليس غيرها بقادر على حمل هذا العبء، عبء تجديد التراث الفلسفي والحفاظ عليه، إن هذه المهمة الجليلة لن يقوم بها سوى أفراد أنفقوا زهرة عمرهم مع هذا التراث ويحملون بين أضلعهم غيرة عليه، ولنا في الغرب أسوة بمراكز علمية قويّة يسكنها رهبان العلم والمعرفة، ويقدمون خدمات جليلة لتراثهم بتفان وإخلاص كبيرين.


*مدير مركز الدراسات الفلسفية بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.



إقرأ المزيد