عام على رحيل «بابا السلام»
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

تمرّ علينا يوم 21 أبريل الجاري الذكرى السنوية الأولى لرحيل قداسة البابا فرنسيس، في وقتٍ يبدو فيه الشرق الأوسط أكثر جراحاً مما كان عليه قبل عام. حروب متواصلة، صراعات مفتوحة، تعصّب ديني يتخفّى وراء مظاهر التدين، وأزمات اقتصادية خانقة تدفع الملايين إلى الهجرة أو الفقر أو اليأس. وفي قلب هذا المشهد القاتم، يعود اسم البابا فرنسيس ليطرح سؤالاً ملحّاً: ماذا لو استمع العالم أكثر إلى صوته؟
لم يكن البابا فرنسيس مجرد رأس للكنيسة الكاثوليكية منذ انتخابه في 13 مارس 2013، بل تحوّل سريعاً إلى ضمير عالمي، وإلى مرجعية أخلاقية لكل من يبحث عن سلامٍ حقيقي لا يُبنى على السلاح، بل على كرامة الإنسان. وفي منطقتنا العربية تحديداً، لم يكن غريباً أو زائراً عابراً، بل أخاً وصديقاً، حمل قضاياها في قلبه، ودافع عن شعوبها في أصعب الظروف.
أكتب  بصفتي ابناً لهذا الشرق، وبصفتي شاهد عيان رافق قداسته في معظم محطاته التاريخية في الشرق الأوسط. محطات لم تغيّر فقط صورة الكنيسة في منطقتنا، بل أعادت صياغة مفهوم الحوار بين الأديان، وكسرت كثيراً من الصور النمطية المتراكمة عبر عقود.
منذ بداية حبريته، رفض البابا فرنسيس اختزال الشرق الأوسط في لغة الصراعات. كان يكرر أن هذه الأرض «ليست جغرافيا نزاع، بل جغرافيا رسالة»، لأنها مهد الحضارات، والديانات السماوية، ومكان اللقاء الأول بين الله والإنسان.
في مايو 2014، بدأ قداسته حضوره الميداني في المنطقة بزيارة الأردن والأراضي المقدسة. لم تكن زيارة بروتوكولية، بل حجّاً روحياً سار فيه على خطى الأنبياء. ومن نهر الأردن إلى بيت لحم والقدس، رفع صوته مطالباً بحل عادل للقضية الفلسطينية، يقوم على احترام الحقوق والكرامة الإنسانية، رافضاً منطق الإقصاء والعنف.
من أكثر الزيارات التي جسّدت شجاعة البابا فرنسيس، كانت زيارته إلى مصر في أبريل 2017. جاءت الزيارة بعد تفجيرات إرهابية دامية، وفي ظل أوضاع أمنية شديدة الحساسية. ورغم المخاوف، أصرّ البابا على الحضور، معتبراً أن الغياب في مثل هذه اللحظات خيانة للرسالة. في القاهرة، التقى بالرئيس عبد الفتاح السيسي، وبقداسة البابا تواضروس الثاني، وشارك في «مؤتمر السلام العالمي»، الذي نظّمه الأزهر الشريف بدعوة من فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب. هناك، قال كلمته الشهيرة: «لا يمكن تبرير العنف باسم الله»، مؤكداً أن التدين الظاهري الخالي من الرحمة هو أخطر ما يهدد المجتمعات. كانت تلك الزيارة دعماً معنوياً بالغ الأثر للشعب المصري، ورسالة ثقة في قدرة مصر على تجاوز الإرهاب، ورسالة أوضح للعالم بأن الحوار بين المسيحية والإسلام ليس حلماً نظرياً، بل خياراً واقعياً.
وفي مارس 2019، خلال زيارته إلى المملكة المغربية، أعاد البابا فرنسيس التأكيد على مفهوم «العيش المشترك» بوصفه ضرورة وجودية في عالم متعدد. شدد على أن الخوف من الآخر هو مدخل الحروب، وأن المعرفة والاحترام المتبادل هما أساس الاستقرار. في زمن تصاعد فيه خطاب الكراهية، جاءت كلماته بمثابة تذكير بأن التعددية ليست ضعفاً، بل قوة.
غير أن المحطة الأبرز في علاقة البابا فرنسيس بالشرق الأوسط ستبقى زيارته التاريخية إلى دولة الإمارات العربية المتحدة في فبراير 2019، وهي الزيارة الأولى لبابا الكنيسة الكاثوليكية إلى شبه الجزيرة العربية. كانت الزيارة، بكل المقاييس، نقطة تحوّل. في أبوظبي، وتحت الرعاية الكريمة لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وُقّعت وثيقة الأخوّة الإنسانية بين البابا فرنسيس وفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب. وثيقة وُصفت عالمياً بأنها من أهم النصوص الدينية–الإنسانية في القرن الحادي والعشرين.
لم تكن الوثيقة بيان نوايا، بل إعلان مبادئ واضحاً يدين العنف، ويرفض استغلال الدين، ويؤكد أن البشر جميعاً إخوة في الإنسانية. ومنذ توقيعها، دخلت الوثيقة مناهج تعليمية، واستُخدمت مرجعاً في مؤسسات دولية، وأُنشئ على أساسها «البيت الإبراهيمي» كمثال حي على ما دعا إليه البابا. الانتقال من المجاملات البروتوكولية إلى الأخوّة الوجودية.
خلال سنوات خدمتي إلى جانب قداسة البابا، كأول سكرتير شخصي له من الشرق الأوسط، كنت أرى عن قرب إصراره العميق على إنصاف الإنسان الشرق أوسطي، وإبراز الوجه الحقيقي لثقافتنا، بعيداً عن الصور المشوّهة التي غذّتها الحروب والتطرّف. كان يؤمن أن الحوار مع الإسلام ليس خياراً دبلوماسياً، بل واجباً إيمانياً وإنسانياً، لأن السلام لا يُبنى بالخطابات، بل باللقاء، وبالاعتراف المتبادل، وبالدفاع عن الفقراء والمهجّرين وضحايا الحروب.
اليوم، وبعد عام على رحيله، يبدو إرث البابا فرنسيس أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. في شرقٍ تمزّقه النزاعات، وتنهكه الأزمات الاقتصادية، ويثقل كاهله التعصّب والتديّن الشكلي، يقدّم فرنسيس نموذجاً لقائد ديني اختار التواضع بدل السلطة، والرحمة بدل الإدانة، والسلام بدل الاصطفاف.
رحل البابا فرنسيس جسداً، لكن إرثه حيّ في كل مدرسة، وكل جامعة، وكل مركز حوار يدرّس وثيقة الأخوّة الإنسانية. حيّ في صورته وهو يبكي مع اللاجئين، ويصغي إلى آلام الشعوب، ويضحك مع أطفال الشرق بلا حواجز.
في هذه الذكرى، لا نرثي رجلاً، بل نستحضر رسالة. رسالة تقول إن السلام ممكن، وإن الدين يمكن أن يكون جسراً لا سلاحاً، وإن الشرق الأوسط، رغم كل ما يمرّ به، ما زال قادراً على أن يكون أرض لقاء لا ساحة حرب.
لقد كان البابا فرنسيس بحق بابا السلام، ونموذجاً نحتاج إليه اليوم أكثر من أي وقت مضى.



إقرأ المزيد