جريدة الإتحاد - 4/17/2026 11:24:42 PM - GMT (+4 )
خلت شركة «شيفرون» الأميركية قطاعَ التنقيب البحري في سوريا، تنفيذاً لمذكرة التفاهم الموقعة في دمشق، يوم الرابع من فبراير الماضي، بالشراكة مع شركة «باور أنترناشيونال» القطرية، مع الدولة السورية. وقد تلقت الشركة السورية للبترول تأكيداً رسمياً من الشركة الأميركية للمضي قدماً في الاستثمار والتنقيب البحري عن النفط والغاز، بما يمهد لاستكمال العقود النهائية، وانطلاق العمليات الفنية خلال الصيف المقبل. وبذلك تكون هذه الخطوة بمثابة حجر أساس لأول استكشاف بحري في المياه العميقة السورية. لكنها بالطبع لا تعني بداية الإنتاج، بل نقطة الانطلاق في مرحلة التقييم والمسح الزلزالي، وهي مرحلة تشمل: المسح الجيوفيزيائي، والحفر الاستكشافي، والتقييم والتحقق من الاحتياطيات التجارية، والتصميم الهندسي وإنشاء البنية التحتية، وأخيراً الحفر التطويري وبدء الإنتاج.
وبالنظر إلى أن الإطار التشريعي لعقود الامتياز البحري لم يُستكمل بعدْ، وأن العقوبات الدولية لم تُرفع عن سوريا إلا منتصف العام الماضي فقط، فإن المنظومة المؤسسية والقانونية اللازمة لتشغيل ذلك المشروع لا تزال في طور البناء. وعلى هذا الأساس يرى الخبراءُ أن أي تدفق نقدي فعلي لن يتحقق قبل عام 2032، وهذا في أحسن الأحوال، إذ قد يتأخر التدفق إلى غاية عام 2035 في حال ما إذا واجهت المسوحاتُ تأخيراتٍ تقنيةً أو سياسيةً.
ولا شك في أن هذه المدة طويلة، وتمكن الإشارة هنا إلى أن حقل «ظهر» المصري، وهو أكبر اكتشافات المنطقة، وقد اكتُشف في عام 2015، وبلغ إنتاجيتَه الكاملةَ في عام 2019، أي خلال أربع سنوات فقط، وباستثمارات تجاوزت 12 مليار دولار. وبفضل هذا الحقل تحولت مصرُ مِن مستورِد للغاز إلى مصدِّر، وبلغت صادراتُها منه نحو 173 مليار قدم مكعبة في عام 2023.
لقد كان القطاع النفطي السوري، قبل اندلاع الحرب في عام 2011، يمثل نسبةَ 20 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، ونحو نصف صادراتها، وأكثر من 50 في المئة من إيرادات الخزينة العامة. في ذلك الوقت كان الإنتاج 390 ألف برميل يومياً، لكنه الآن، وبسبب تداعيات الحرب، يقدر بنحو 105 آلاف برميل يومياً فقط. وبسبب سنوات الحرب، خسر قطاع النفط نحو 91.5 مليار دولار من البنية التحتية، وفق تقارير وزارة النفط السورية، فيما تقدر تقارير الأمم المتحدة الخسائر الكلية لقطاعي النفط والغاز بنحو 115 مليار دولار.
أما اليوم، وبعد إضافة هدف الحكومة السورية برفع الإنتاج إلى 380 ألف برميل يومياً بحلول عام 2030، فيتوقع الخبراء أن يتجاوز إجمالي عائدات الطاقة 10 مليارات دولار سنوياً، وهو ما يرفع حصة هذا القطاع إلى نحو 45 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة كبيرة تساهم في قلب معادلة الميزان التجاري السوري من عجز مزمن إلى فائض يزداد مع تطور عائدات الاستثمار. وتَبرز أهميةُ الغاز السوري، وفق المعلومات الأميركية، في أن سوريا تشترك مع دول شرق المتوسط في حوض «ليفانت» الذي يضم احتياطيات تقدر بنحو 122 تريليون قدم مكعبة، مع إشارات أولية لوجود اكتشافات بنحو 40 تريليون قدم مكعبة من الغاز قبالة الشواطئ السورية وحدها، وتمتد على مساحة لا تقل عن 10 آلاف كيلومتر مربع، مما يعزز الفرصَ التي تمتلكها دمشق، ويجعلها محطَّ اهتمام الشركات العالمية. لكن هل تكون هذه التطورات بمثابة إعلان متقدم لإنهاء دور روسيا بصورة كاملة في سوريا؟
الواقع أن الغموضَ يحيط بمصير ملف عقود النفط والغاز التي وقَّعها النظامُ السوري السابق مع روسيا خلال الفترة بين عامي 2013 و2024، وأهمها اتفاقيةٌ موقّعةٌ مع شركة «سويز نفت غاز»، وقد مُنحت بموجبها حقَّ إطلاق أول عملية استكشاف قبالة ساحل مدينة طرطوس، ويغطي امتيازُها مساحةً قدرها 2190 كيلومتراً مربعاً، على مدى 25 عاماً. لكن الشركات الروسية لم تَقم بأي خطوة تنفيذية طوال السنوات الماضية، نتيجة اصطدامها بعقوبات قانون «قيصر» الأميركي.
*كاتب لبناني متخصص في الشؤون الاقتصادية
إقرأ المزيد


