جريدة الإتحاد - 4/18/2026 12:20:01 AM - GMT (+4 )
من يقصد لكسمبورغ سيجدها فاصلة جميلة بين جملة صحيحة، وأخرى غير ناقصة، بلدة هادئة وادعة، تحوطها الخضرة ورائحة الشجر، وهرولة المسرعين إلى العمل، حللت بها مرة فجراً، فكانت المدينة ما تزال تتمطى، والحوانيت تفتح أبوابها بكسل، سكانها 682 ألف نسمة، غير أن دخل الفرد فيها أكثر من 128 ألف دولار، كأعلى دخل للفرد في العالم، ومتوسط عمر الإنسان فيها 83 عاماً، والناتج المحلي يتجاوز 110 مليارات دولار، لكن مساحتها 2586 كم مربعاً فقط، مقسمة إلى ثلاث مقاطعات، تجاور ألمانيا وبلجيكا وفرنسا، نسبة البطالة لا تزيد على 7 في المائة، بدأت مشوارها ككيان مستقل عام 1815 بعد مؤتمر فيينا، واستقلت عن هولندا عام 1867، نظامها دوقي دستوري «برلماني»، لغاتها الألمانية والفرنسية واللكسمبورغية، وهي مشتقة من الألمانية.
ميزة هذا البلد الصغير أنه يعمل ولا يلتفت إلى العالم إلا إذا كانت هناك فائدة من الالتفاتة، ينساه العالم ولا يتذكره لشهور، وهو غير حزين لذلك، ولا يشعر سكانه بالندم كثيراً، لا يهمه إن عرف «كريستيانو رونالدو» موقعه أو تذكر «بوش الابن» لون علمه أو خطط الأمين العام للأمم المتحدة لزيارته في نهاية ولايته، ولا يعبأ بالدعايات المغرضة تجاهه، ويمنع من دخول الجهلاء والمتعصبين والمخربين والمتاجرين بالدين ومن لا يعمل.
كثيراً ما يتعرض منتخب لكسمبورغ لهزائم شبه قاسية أحياناً، لكن هذا لا يجعل الناس تشعر بالمرارة واليأس، لديهم محاصيلهم الزراعية ومنتوجاتهم وبعض المعادن ومطار دولي، وميناء، وبرلمانهم يتغير كل 5 سنوات، لا يسمحون لفرنسا القريبة منهم أن تتدخل في شؤون الدوقة، ورغم ذلك هم يساندون فرنسا في كل أحزانها وأفراحها، وزير الدفاع اللكسمبورغي لا يحمل نيشاناً واحداً، وقد لا يعرف قراءة الخريطة أو المشي على البوصلة ليلاً، لكنه يقوم بواجبه تجاه مواطنيه، ويحترم دستور بلاده، ويبجل مليكه.
للكسمبورغ وأهلها قصة حين دخلتها جيوش ألمانيا النازية، قرر السكان دخول بيوتهم، وإغلاق الأبواب عليهم، مانعين الغزاة من تلويث بيوتهم بأحذيتهم العسكرية الموحلة، تاركين لهم شوارع المدينة وطرقاتها ومحلاتها، أما البيوت فهي لهم، ويجب ألا يدخلها إلا الضيوف والمرحب بهم والأصدقاء، ورفعوا شعاراً: «إن بيوتنا هي خنادقنا»، داعين إن كان هناك موت فليكن في غرفهم وعلى أسرتهم أو داخل حدائق منازلهم، تلك هي قبورهم الأخيرة، لكن لن يستقبلوا الألمان الذين تسبقهم الدبابات والمجنزرات، لكن إن جاء الألمان مرة أخرى سياحاً بملابسهم وحقائبهم فأهلاً بهم، لكسمبورغ لا تصنع عدواً، ولا تخسر صديقاً.
بعد مدة من صمت البيوت المقفلة أبوابها، والناس المتحصنين فيها، مانعين الحديث أو التعامل مع المحتل، خرج الجيش النازي الغازي من تلك المدينة التي قاومته بالحيلة، ساعتها فقط، فتح سكان لكسمبورغ أبوابهم للشمس والهواء والحرية، وعملوا شيئاً واحداً نهار ذلك اليوم.. فقط نظفوا مدينتهم وغسلوها من أثر وقع الأحذية العسكرية الثقيلة والموحلة!
إقرأ المزيد


