النخلة وسيرة دولة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

ليست النخلة في دولة الإمارات تفصيلاً زراعياً يُذكر في سياق الإنتاج، بل هي بنيةٌ دلاليةٌ عميقة تُقرأ من خلالها قصة التحول الوطني، منذ لحظة التأسيس إلى آفاق الحضور العالمي. فمَنْ يتأمل مسار هذه الشجرة في الوجدان الإماراتي، يدرك أنها لم تكن يوماً مجرد مورد غذائي، بل كانت دائماً تعبيراً عن معنى الاستقرار في بيئةٍ تُختبر فيها قدرة الإنسان على التكيف، وإرادته في تحويل القسوة إلى فرص للنمو.
لقد ارتبطت النخلة في التجربة الإماراتية برؤية المؤسِّس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، والذي لم ينظر إلى الزراعة بوصفها قطاعاً اقتصادياً محدود الأثر، بل بوصفها مدخلاً لبناء الإنسان ذاته. فحين غُرست النخلة في الأرض، كانت تُغرس معها فكرةُ الاستمرار، وقيمة العمل، وإمكانية تحويل الصحراء من فضاءٍ للصبر إلى فضاءٍ للإنتاج. ومن هنا، لم تكن زراعة النخيل مجرد توسُّع أفقي في المساحات، بل كانت إعادة صياغة لعلاقة الإنسان بالمكان، وإعادة تعريف لمفهوم التنمية في بيئةٍ صحراوية.
ومع تطور الدولة، لم تتوقف هذه الرؤية عند حدود الإرث، بل دخلت مرحلة أكثر تركيباً، حيث أُعيد إدماج النخلة ضمن منظومة الأمن الغذائي، وربطها بسلاسل القيمة الاقتصادية الحديثة. فارتفعت جودة الإنتاج، وتوسّعت الأسواق، وأصبحت التمور الإماراتية حاضرة في خريطة التجارة الدولية بوصفها منتجاً عالي القيمة، لا من حيث الكم فقط، بل أيضاً من حيث المعايير الصحية والتقنية التي تحكم إنتاجها وتصنيعها.
غير أن التحول الأهم لم يكن في الإنتاج وحده، بل في بناء منظومة معرفية متكاملة حول النخلة، وهو ما تجسّد بوضوح في جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي، التي تحولت من إطار تكريمي إلى منصة عالمية لإنتاج المعرفة الزراعية وتبادل الخبرات. ولعب أمينها العام، الدكتور عبد الوهاب زايد، دوراً محورياً في نقل الجائزة من بُعدها المحلي إلى أفق دولي واسع، حيث استطاع أن يُترجم توجيهات القيادة إلى برامج عملية تجمع بين البحث العلمي والتطبيق الميداني، وتربط بين المزارع والمختبر، وبين المنتج والسوق.
وفي هذا الامتداد، لم تَعُد النخلة مجرد شجرة تُزرع في أرض الإمارات، بل أصبحت موضوعاً لاهتمام علمي عالمي، ومحوراً لشبكة من المؤتمرات الدولية والمهرجانات الزراعية التي امتدت إلى قارات متعددة. وقد تحولت هذه الفعاليات إلى فضاءات حقيقية لتبادل المعرفة، وتطوير التقنيات، وتعزيز التنافسية، بما جعل من الإمارات مركزاً دولياً مرجعياً في قطاع النخيل والتمور.
 كما أن البُعد الثقافي لم يَغِبْ عن هذه المسيرة، فالنخلة بقيت حاضرة في الوجدان الإماراتي، رمزاً للعطاء والثبات، ومكوناً أصيلاً في الهوية الوطنية. فهي الشجرة التي تُجسِّد فكرة الاستمرارية، وتعكس قدرة الإنسان على العطاء في أصعب الظروف. ومن هنا، فإن الاستثمار في النخلة لم يكن قراراً اقتصادياً فحسب، بل كان كذلك حفاظاً على بنية رمزية تؤسِّس لمعنى الانتماء، وتربط الأجيال الجديدة بجذورها العميقة في الأرض.
إنّ ما يميّز التجربة الإماراتية في هذا المجال، هو قدرتها على الجمع بين ثلاثة أبعاد متكاملة: التراث الذي يمنح المعنى، والعلم الذي يضمن التطوير، والسياسة العامة التي تؤطِّر الفعل وتوجِّهه. فالنخلة لم تُترك لرمزيتها، ولم تُختزل في إنتاجها، بل أُعيد توظيفها ضمن مشروع وطني يجعل منها مورداً استراتيجياً، وعنصراً فاعلاً في معادلة التنمية المستدامة.
وهكذا، لم تَعُد النخلة في الإمارات مجرد جزء من الماضي، بل أصبحت أداة لصناعة المستقبل، وجسراً يربط بين الهوية الوطنية والحضور العالمي. إنها ليست شجرةً فحسب، بل سردية دولة استطاعت أن تبني مشروعها من داخل بيئتها، وأن تحوّل عناصرها البسيطة إلى مصادر قوة وتأثير. وفي هذا المعنى، تغدو النخلة مرآةً صادقةً لسيرة الإمارات: دولة بدأت من الأرض، لكنها كتبت حضورها في العالم.
*أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة



إقرأ المزيد