جريدة الإتحاد - 4/25/2026 11:51:51 PM - GMT (+4 )
هزيمة رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان في الانتخابات البرلمانية أثارت سيلاً من التعليقات، ركّزت غالبيتها على تداعيات الحدث على الشعبوية اليمينية المتشددة في أوروبا. بينما ركّز معلقون آخرون على التأثير المحتمل على السياسة الأميركية، نظراً للعلاقات الوثيقة بين حركة «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً» (ماغا) التي يتبناها الرئيس دونالد ترامب وحزب «فيدس» الذي يتزعمه أوربان، فضلاً عن النفوذ السياسي الشخصي الذي بذله نائب الرئيس جيه دي فانس لدعم أوربان.
إلا أن هناك تساؤلات بارزة لم تحظَ بالاهتمام الكافي، وهو كيف سيؤثّر رحيل أوربان على الجغرافيا السياسية والاستراتيجية العسكرية، سواء في أوروبا أو على نطاق أوسع. وكيف سيُغير وصول تيار سياسي من يمين الوسط في المجر ديناميكيات «الناتو»، ويُعيد حسابات مستقبل أوكرانيا، ويُشكل العلاقة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي؟
لقد التقيتُ أوربان للمرة الأولى بعد فترة وجيزة من انتخابه رئيساً للوزراء للمرة الثانية، في ربيع عام 2010، خلال رحلة إلى العاصمة المجرية بودابست برفقة السفيرة الأميركية المتميزة إيليني كونالاكيس، التي تشغل حالياً منصب نائبة حاكم ولاية كاليفورنيا. وأثار أوربان إعجابي بشخصيته الجذابة وذكائه، وإتقانه للإنجليزية، كما بدت مواقفه مدروسة بعناية. ورأيت أنه شخصية سأستمتع بالعمل معها، لكنها كانت مجرد الانطباعات الأولى. لقد تحدّثنا مطولاً عن مهمة الناتو في أفغانستان، حيث كانت المجر تنشر أكثر من 600 جندي، غالبيتهم يعملون في تدريب قوات الأمن الوطنية الأفغانية.
وأبدى أوربان دعمه، لكنه كان متشككاً في عدد من مهام الحلف الأخرى، من حفظ السلام في البلقان المجاور إلى مكافحة القرصنة قبالة سواحل الصومال. وعندما اندلعت الحرب في ليبيا بعد عام، رفضت المجر المشاركة، وخلال العقد التالي تحوّل أوربان إلى مصدر إزعاج كبير للحلف، والأسوأ من ذلك أنه أبرم صفقات طاقة مثيرة للجدل مع موسكو ودعم مواقف روسية تتعارض مع أهداف الناتو. ونظراً لاشتراط الحلف الإجماع التام على القضايا الرئيسية، فقد تمكّن صوت أوربان بمفرده من تعطيل انضمام السويد وفنلندا لأكثر من عام. وبذل قصارى جهده لتقويض الدعم الأوروبي لأوكرانيا.
ومع خسارة أوربان في الانتخابات برزت ثلاث مزايا جيوسياسية وعسكرية رئيسية للغرب. أولها وأكثرها وضوحاً أن المجر لن تسعى بعد الآن إلى عرقلة الانخراط والدعم الأوروبي لأوكرانيا. وبينما قد تبقى بعض المشاكل من جانب زعيم سلوفاكيا روبرت فيكو، فقد اختفى أشد معارضي مواقف الناتو والاتحاد الأوروبي من المشهد. ويعني ذلك إمكانية تدفق المزيد من المساعدات العسكرية والمالية والإنسانية المباشرة إلى كييف.
وهو أمر بالغ الأهمية أكثر من أي وقت مضى، نظراً للانسحاب الأميركي شبه الكامل للدعم في عهد إدارة ترامب. كما سيتمتع «الناتو» بحرية أكبر في تقديم التدريب والاستخبارات والتكنولوجيا والدعم اللوجستي للأوكرانيين المنكوبين. أما الجانب الاستراتيجي الثاني لعودة المجر إلى المعسكر الغربي، فيتمثل في موقعها الجغرافي في قلب أوروبا الوسطى، وتتشارك حدوداً مع سبع دول، بينها أوكرانيا. أي أنها دولة مفصلية استطاعت أن تخلق اختناقات استراتيجية ولوجستية أمام الناتو والاتحاد الأوروبي.
ويعود هذا الدور إلى زمن الإمبراطورية النمساوية المجرية في القرنين الـ19 والـ20، حين استفاد المجريون من موقعهم الجغرافي في تعزيز اقتصادهم. كما أن قاعدة «بابا» الجوية في غرب المجر تحتضن مبادرة «القدرة الاستراتيجية للجسر الجوي» متعددة الجنسيات التابعة للناتو، وأسطول طائرات النقل من طراز «سي-17» الذي اعتمدتُ عليه عندما كنت قائداً أعلى لقوات حلف شمال الأطلسي. وأخيراً، مع خسارة أوربان للانتخابات، بات بإمكان الجيش المجري التحديث السريع والاندماج السلس داخل «الناتو».
ورغم أن قوام قواتها لا يتجاوز 30 ألف جندي، إلا أن المجر تستثمر في معدات حديثة متطورة، تشمل دبابات ليوبارد «2A7» الألمانية الجديدة ومقاتلات «جاس 39 غريبن» السويدية القوية. وبينما بالكاد تفي المجر بالهدف القديم لحلف «الناتو» المتمثل في إنفاق 2% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع، فقد تعهّد رئيس الوزراء الجديد بيتر ماغيار من حزب «تيسا» المنتمي ليمين الوسط، برفع هذه النسبة إلى 5% بحلول عام 2034.
*أميرال متقاعد في البحرية الأميركية، وقائد سابق لقوات حلف شمال الأطلسي.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


