تعاطف.. غير أخلاقي!
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

التعاطف قيمة إنسانية رفيعة، فقط حين يكون في موضعه، لأنه في غير ذلك سيفقد أخلاقيته، ويتحوّل إلى تواطؤ ناعم مع الرذيلة بأشكالها المختلفة. 
مع الأسف.. يُعد الأدب من أكثر الأدوات التي تُستغل لتحقيق هذا الهدف، إذ تُطرح القصة على سبيل المثال في سياق الرواية من منظور مثير للشفقة ودافع للتعاطف، كما حدث في رواية «أغالب مجرى النهر» للكاتب الجزائري سعيد خطيبي. والتي ازداد حضورها بعد فوزها بالجائزة العالمية للرواية العربية لهذا العام، فتقدمت كواجهة للنقاش بوصفها واحدة من أبرز الروايات في هذه الفترة!
المثير فعلاً أن هذا يحدث في لحظة تاريخية صعبة مثقلة بتوترات بسبب عدوان خارجي نعيشه اليوم داخل الوطن. تقدّم هذه الرواية التي نسجت أحداثها داخل الواقع الجزائري بداية تسعينيات القرن الماضي، موضوعاً في غاية الحساسية عن إعادة تقديم «الحركيين» وهم العملاء، لا بوصفهم خونة لتعاونهم مع الاستعمار الفرنسي ضد حركة التحرير في الجزائر، بل كضحايا في زمن فوضوي. حيث تمنح الرواية لهم أصواتاً وحياة كاملة وهشاشة تستدعي التعاطف معهم، وتدفع القارئ غصباً إلى منطقة تغيب فيها الإدانة وتحلّ فيها الشفقة، بدعوى أن الحياة لا تكتب فقط بأبيض وأسود، بل بطبقات معقدة من الخوف، والاختيار والإكراه. وكأن هذا التعقيد الإنساني يجب أن يُفضي إلى تبرئة مرتكب الخيانة!
وهذا في رأيي أسوأ ما يمكن أن يقدَّم باسم الأدب. ففي جلسة نقاش الرواية في مؤسسة بحر الثقافة يوم الاثنين الماضي، كان لافتاً جداً سعي الكاتب الحثيث في إعادة تشكيل رأي القارئ عبر سرد مؤثر لأبطال القصة، محمَّل بترومات الطفولة وقسوة الظروف. هذا السرد الذي من شأنه تغيير قناعات يجب أن تبقى راسخة، سواء في فعل تجارة الأعضاء أو خيانة الأوطان!
إنَّ الأثر الأخلاقي لهذا اللين هو محل المحاكمة، الذي يجب التركيز عليه، ففي فعل خيانة الأوطان، نحن لا نتحدث عن خطأ فردي عابر، بل عن سقطة في القيم، عندما يقرر شخص تقديم مصلحته الضيقة على جوهر الانتماء الأوسع. فالخائن لا يخذل مجتمعه فحسب، بل يخذل كل ذرة في وطن كان ينتظر منه الاصطفاف معه لا ضده.
نحن لا نقرأ بعين محايدة غائبة عن الواقع الذي مازالت فيه آثار الخيانة حاضرة في الوطن، بل نقرأه بحساسية عالية تجاه أي محاولة لإعادة توصيف فعل الخيانة كخيار قابل للتفهم. فهذا النوع من الطرح يفرض واقعاً ضبابياً في منطقة يجب أن تبقى واضحة تماماً، مهما بدا ذلك قاسياً.



إقرأ المزيد