جريدة الإتحاد - 5/6/2026 10:31:17 PM - GMT (+4 )
في القرن الأول الميلادي، صاغ الشاعر الروماني جوفينال عبارته الشهيرة «الخبز والسيرك» لوصف آلية لإخماد غضب الجماهير عبر الإلهاء بالطعام والترفيه. كانت تلك الصيغة البدائية لتخدير الوعي العام: إلهاء موجه ومقصود، تديره وتموله الثقافات المسيطرة على العالم.
أما اليوم، فالصورة انقلبت على نحو أكثر تعقيداً وخطورة، لم يعد الناس متلقين سلبيين للسيرك، بل أصبحوا يبحثون عنه، ويغذونه بانتباههم. لم يعد الترفيه وسيلة للهروب من الواقع فحسب، بل تحول إلى بنية خفية تعيد تشكيل الوعي من الداخل.
قد يبدو طوفان المحتوى الترفيهي السطحي خللاً عابراً أو أثراً جانبياً طبيعياً لانتشار التكنولوجيا. غير أن الواقع يشير إلى عكس ذلك تماماً: التفاهة ليست انحرافاً عن النظام، بل هي أحد مكوناته الأساسية. في عام 1971، تنبأ الاقتصادي هربرت سيمون بأن وفرة المعلومات ستقود حتماً إلى «فقر في الانتباه».
ما لم يتوقعه هو أن هذا الفقر سيتحول إلى سوق ضخم، يعد من أكثر الأسواق ربحية في التاريخ.
في ما يعرف اليوم بـ«اقتصاد الانتباه»، لم تعد السلع المادية هي الهدف، بل الاستجابات العصبية والنفسية للإنسان، حيث يقاس النجاح بمدة بقائك متصلاً، لا بما تكتسبه من معرفة. هذا التحول يعيد تعريف مفهوم السلطة ذاته، فالحكومات الحديثة لم تعد تعتمد أساساً على السيطرة المباشرة، بل على الإغراء الذكي.
كما يطرح الفيلسوف «بيونغ تشول هان» في كتابه «السياسة النفسية» تصوراً لسلطة تعمل من الداخل، عبر استثمار رغبات الأفراد وتوجيهها بدل قمعها. وبينما ظل الخوف طويلاً مرتبطاً بعسكرة المشاعر، فإن المراقبة القسرية أصبحت واقعاً داخلياً ذاتياً أكثر من كونها تصوراً لعالم جديد، حيث يتحقق الامتثال طوعاً عبر الترفيه. والمفارقة هنا أننا لا نراقب رغماً عنا، بل نحمل أدوات المراقبة معنا، ونغذيها ببياناتنا يومياً. تداعيات هذا التحول لا تقف عند حدود الفرد، بل تمتد إلى بنية المجتمع والسياسة.
فقد حذر المفكر ألكسيس دي توكفيل من «الاستبداد الناعم» الذي قد يصيب المجتمعات بمختلف خلفياتها السياسية والاقتصادية والثقافية حين تدار حياة الأفراد نيابةً عنهم. اليوم، لم تعد هذه الوصاية مقتصرة على الدولة، بل انتقلت إلى شركات التقنية الكبرى وهي المتحكم الحقيقي بوعي المجتمع وتوجهاته. وتوضح شوشانا زوبوف في مفهوم «رأسمالية المراقبة» أن هذه الشركات لا تكتفي بتوقع السلوك، بل تسعى إلى تعديله وتوجيهه بشكل منهجي. في هذا السياق، يصبح التفكير العميق عبثاً، لأن البيئة الرقمية مصممة لتعزيز الاستجابات السريعة والانفعالية، ليصبح الفرد هو المستهلك والمنتج، ومشاعره وأفكاره ورغباته هي السوق الحقيقي.ومع هذا التآكل التدريجي لمساحة التأمل، تتراجع «السيادة المعرفية» للفرد، أي قدرته على التحكم في انتباهه وتوجيه تفكيره باستقلالية. الإنسان الذي يبني مواقفه من محتوى سريع ومجزأ يفقد تدريجياً أدوات التحليل العميق.
وقد أشار نيل بوستمان في كتابه «تسلية أنفسنا حتى الموت» إلى أن الترفيه المستمر يحوّل القضايا الجدية إلى مادة استهلاكية. فالمشكلة ليست في الترفيه ذاته، بل في هيمنته على كل أشكال الخطاب. هذا الواقع ليس نتيجة عفوية، بل نتاج تصميم دقيق. الخوارزميات التي تدير المنصات الرقمية لا تعطي الأولوية للمحتوى الأكثر عمقاً، بل للمحتوى الأكثر قدرة على جذب الانتباه وإطالته، حتى وإن كان ذلك على حساب الدقة أو القيمة. النتيجة هي إضعاف المجال العام، واستبدال الحوار العقلاني بالاستقطاب، وتراجع الحقيقة أمام ما يعرف بالترند.
وفي هذا السياق، لا تبدو المواجهة تقنية بحتة، بل وجودية في جوهرها. إنها معركة حول من يملك توجيه الوعي الإنساني. واستعادة السيطرة لا تعني الانفصال عن التكنولوجيا، بل إعادة تعريف علاقتنا بها، بدءاً من إدراك قيمة الانتباه بوصفه مورداً استراتيجياً.
في عالم تصاغ فيه القناعات بالنقرات، يصبح التأمل، والقراءة المتأنية، والانفصال المؤقت عن الضجيج الرقمي، أفعالاً ذات طابع مقاوم. في النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بما نشاهده، بل بمن نصبح نتيجة لما نشاهده ونسمعه. ومن يمتلك القدرة على توجيه انتباهنا، يمتلك في جوهر الأمر القدرة على توجيه مسار حياتنا، وهنا يأتي دور التفاهة كمسار ثقافي واجتماعي يتسيّد الموقف.
*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات.
إقرأ المزيد


