جريدة الإتحاد - 5/7/2026 11:52:15 PM - GMT (+4 )
لقد آن الأوان لكي يقول القادة الأوروبيون للرئيس الأميركي دونالد ترامب بشكل واضح وصريح: لقد طفح الكيل والأمر جاوز حدّه. ذلك أنه مهما تكن الإهانات التي يوجهها ترامب إليهم، فإنهم لا يجرؤون على الرد عليه بقوة وحزم خوفاً من إثارة غضبه وخشية تعرضهم لعقوبات أشد. غير أن هناك استثناءين بارزين هما: رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز والبابا ليون الرابع عشر. الصيف الماضي في منتجع ترامب في تورنبيري بإسكتلندا، التقت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين الرئيس الأميركي ووافقت على رسوم جمركية بنسبة 15 في المئة على الصادرات الأوروبية إلى الولايات المتحدة مقابل إعفاء المنتجات الأميركية من رسوم أوروبية، ظناً منها أن ذلك قد يكون وسيلة للحفاظ على علاقات جيدة مع الولايات المتحدة. لكن دون جدوى. ذلك أن دونالد ترامب لم يكف عن السخرية من القادة الأوروبيين أمام الملأ. ومع ذلك، لم يبدِ هؤلاء القادة اعتقاداً منهم أن ما حدث هو مجرد نزوات من ترامب لا يملك المرء أمامها إلا أن يتحلى بالصبر؛ فيبتلعون الإهانات ويقبلون الرسوم الجمركية المرتفعة في سبيل الحفاظ على وحدة حلف «الناتو».
غير أنه يجب أن ندرك أن هذه الوحدة لم تعد موجودة اليوم. ذلك أن ترامب، الذي كان يشكك أصلاً في المادة 5 من ميثاق «الناتو» وفي التضامن مع الدول الأوروبية لصالح تحالف مع روسيا، غاضبٌ من القادة الأوروبيين لأنهم لم يهبّوا لنجدته في مضيق هرمز؛ وينتقد الناتو باعتباره تحالفاً في اتجاه واحد يصبّ في مصلحة الأوروبيين. وهكذا بات من المستحيل التعويل على هذا التضامن، وخاصة بعد أن أوقف ترامب كل المساعدات لأوكرانيا، وباتت أوروبا الآن تتحمل بشكل كامل تقريبا مسؤولية مد أوكرانيا بالمساعدات العسكرية.
وعلاوة على ذلك، يشن ترامب حرباً على إيران منذ 9 أسابيع من دون أن يخبر شركاءه الأوروبيين أو يستشيرهم. حرب يدفع الأوروبيون ثمنها غالياً اليوم، لأن ارتفاع أسعار الوقود يؤثر على جميع الميزانيات، سواء الخاصة أو العامة. ثم هناك مسألة القيم.
فما هي يا ترى القيم المشتركة التي تجمع بين الأوروبيين ورئيس أميركي يزدري القانون الدولي، ويحتقر الأمم المتحدة وجميع الدول الأخرى، ولا يكف عن الإشادة بالقوة والعنف في الحياة الدولية، ويطلق عمليات عسكرية غير قانونية تماماً دون أن يسعى حتى لتبريرها؟ الواقع أن الأوروبيين لا يمكنهم أن يدّعوا أنهم يتشاركون القيم نفسها مع ترامب، لأن قيمه تتعارض تعارضا جذريا مع قيمهم. وإلا فإنهم سيخاطرون بمواصلة الإضرار بصورتهم ومصداقيتهم في أعين دول «الجنوب العالمي»، ما لم ينأوا بأنفسهم عن رئيس ينشر الفوضى.
فالثقة في القوة الغاشمة التي يروّج لها دونالد ترامب باستمرار لا يمكن أن تتناغم مع القيم الأوروبية. الأوروبيون لطالما ابتلعوا الإهانات من أجل حماية أوكرانيا؛ لكن أوروبا الآن هي التي باتت تتولى توفير معظم المساعدات لأوكرانيا. ثم إنه سيكون من قبيل المفارقات أن تتنازل الدول الأوروبية عن سيادتها في سبيل ضمان سيادة أوكرانيا.
ولهذا لا بد لأوروبا من أن تتخطى هذا الحاجز النفسي. ولا بد من التحدث بصراحة تامة مع ترامب، والرد عليه، وفرض عقوبات مضادة عندما يفرض عقوبات، وفرض رسوم جمركية مضادة عندما يرفعها. كما أنه لا ينبغي المبالغة في تقدير التهديد الروسي. فالروس يراوحون مكانهم منذ أشهر في أوكرانيا، ومن الصعب تصوّر كيف يمكنهم، وهم العالقون حالياً في أوكرانيا، الوصول بسرعة إلى وارسو أو برلين.
ثم إن على الأوروبيين أن يقبلوا المخاطرة ببناء هذه الاستقلالية الأوروبية عبر رفض الابتزاز الأميركي المستمر، والذي ينطوي على تناقض في الواقع، على اعتبار أن ترامب يقول إنه لن يساعد الدول الأوروبية؛ والحال أن احتمال أن يقوم بمساعدتها في نهاية المطاف هو الذي يدفع هذه الدول للقبول بتقديم تنازلات تجارية وسياسية وجيوسياسية مستمرة، بيد أن الأكثر خطورة بكثير هو البقاء في حالة تبعية دائمة له، والاستمرار في الخضوع لجميع نزواته من دون الحصول على أي شيء بالمقابل. وفي جميع الأحوال، تظل المراهنة على الاستقلالية أقل خطورة من الاستمرار في حالة من التبعية الخطيرة والمكلفة والمهينة!
*مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس
إقرأ المزيد


