جريدة الإتحاد - 5/8/2026 12:23:40 AM - GMT (+4 )
كانت من بيت علم وصدارة، تنزع إلى الطول، وبرقعها يضفي على وجهها الأبيض بريقاً يميزها، وسحرها كله في العيون، وفي ذلك اللسان الطلق الفصيح، تعلمت على يد أخيها الكبير المعمر الذي كان يدير الأمور ويحكم بين الناس ويحل قضاياهم ويأم بهم، ويقضي بينهم، وكانت هي الصغرى بين إخوتها، فعاملها مثل ابنته، حفظت القرآن على يديه، وخطت بالقلم، وحفظت الأشعار، وقرأت الكثير من كتب الفقه والتاريخ والأدب، كانت تحضر مجلسه وهي صغيرة، فتعلقت بما تسمعه وما يدور من أحاديث الرجال وقضايا الناس، وحين شبّت قليلاً، وتبرقعت قبل الزواج على غير عادة النساء في أم سبع البلادين، اقتطع لها في تلك القلعة الطينية زاوية وحجاباً تسمع منه ما يدور في المجلس، كان يعرف شغفها وذكاءها، ويعرف أن لها رأياً يسعفه في حل بعض القضايا، وكان هو يشاركها ويعتمد عليها فيما يخص قضايا النساء وأمورهن، وبدأت تحل مكانه إذا ما غاب أو اعتلت صحته، كانت لا تبت في أي قضية دون الرجوع إليه، لكنه في سنواته الأخيرة كثيراً ما يرسل المتخاصمين والمحتاجين والذين لديهم بعض المشكلات في الأرض أو كتابة الدين إليها، ويقول لهم هي في مكاني، ولا أخالف رأياً بتت فيه أو أمراً قضت به.
عرفتها أم سبع البلادين كامرأة من طراز مختلف، وشاع ورعها وحكمتها وسيرتها الطاهرة عند القاصي والداني، حتى تغنت بها قصائد، وعزها وعدّها الرجال أخت رجال، وتسد عنهم، حتى أنها لم تتزوج، ولم ترِد ذلك، وردّت طلب الكثير، خاصة الذين يسمعون بها وعنها من خارج تلك الواحة التي كانت تعرف تفاصيلها مثل كف يدها، وكبرت معها وفيها حتى غدتا صنوان.
عرفها الكثير وهي امرأة كبيرة مهابة، لكن الأهل الأولين ممن عرفها وهي صغيرة، قالوا إنها كانت تركض بالفرس مثل أحسن خيّال، وكانت تجيد الرمي، حتى أنها كانت تفزع مع الفرسان في رد الغارات أو تلحق بالمغيرين إذا ما سلبوا شيئاً من حلال أو من بيوت الناس وفق سطوة ذاك الوقت وعجز العوز ونواميس الصحراء، ومرة تصوبت في كتفها، وفزع الناس إلى تلك القلعة الطينية المشرفة على النخيل يحرسونها ويدعون لها، ليلتها حزن أخوها الكبير، في حين هي كانت تبتسم، وتلقي عليه قصائد من تلك الكلمات التي تضمد الجرح وتُصبرّ الوجع، وأرسلت أحد العاملين في القلعة ليبشر الناس أنها بخير، وينحر جزورين ويطعمهم.
عاشت وطراً جميلاً وصعباً، وعمّرت في تلك الواحة التي بقيت تذكرها بالخير، وتذكر الخير إن جاءت سيرتها.. سيرة أخت الرجال.
إقرأ المزيد


