جريدة الإتحاد - 5/8/2026 12:44:31 AM - GMT (+4 )
خضعت العلاقة بين الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين لتمحيص شديد منذ عام 2016. ورغم أن أوجه التشابه بين الزعيمين لا تزال غير واضحة، فإنها قد تعود إلى إعجابهما المشترك، على نحو ما، بأساليب الحسم والتركيز الشديد للسلطة المركزية في يد الرئيس أو الزعيم. وبغض النظر عن حقيقة هذا التشابه، فقد خاض كل من الزعيمين حروباً وصراعات عسكرية رأى كل منهما أنها حتمية بموجب المصالح الوطنية لبلاده، بينما لم تكن كذلك وفق بعض التقييمات الاستراتيجية التي يطرحها المنتقدون في كل من الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية.
في الرابع والعشرين من شهر فبراير عام 2022، اندلعت الحرب الروسية الأوكرانية بناءً على افتراضات يصر البعضُ حتى اليوم على أنها كانت خاطئة. فقد اعتقد الجانب الروسي أن أوكرانيا تفتقر إلى كيان الدولة الحقيقي، وأن قيادتها ضعيفة، وأن قواتها المسلحة ستنهار أمام التفوق العسكري الساحق الذي يتمتع به الجيش الروسي. إلا أن تلك التوقعات لم تتحقق، إذ بقي الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في منصبه، وأظهر الشعب الأوكراني تماسكاً غير متوقع في ظل الحرب الشرسة. وبدلاً من حملة عسكرية سريعة وخاطفة، تحولت الحرب إلى صراع طويل ومكلف كشف عن نقاط ضعف بنيوية في العديد من الخطط والاستراتيجيات العسكرية.
ويعود صمود أوكرانيا غير المتوقع، في جانب كبير من أسبابه، إلى مساحتها الجغرافية الشاسعة، وكذلك الدعم الدولي المقدم لها من جانب الحلفاء الغربيين (الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي)، بالإضافة إلى قدرة قواتها المسلحة على التكيف مع الظروف والتطورات الجديدة. ورغم أن روسيا حققت وتحقق مكاسب ميدانية ملحوظة، وعلى نحو تدريجي، فإن تكاليف الحرب، لاسيما من حيث الخسائر البشرية والضغط الاقتصادي، تبدو أكبر مما كان متوقعاً قبل أربع سنوات من الآن.
وتتجلى أنماط مشابهة من عدم دقة التقديرات في الاستخدام الأخير للقوة من جانب دونالد ترامب. فبعد الإطاحة بالرئيس نيكولاس مادورو في فنزويلا، يناير الماضي، بدا أن الإدارة الأميركية قد خلصت إلى أن التدخل العسكري السريع بات حلاً فعالاً وناجحاً في جميع الحالات. إلا أن العملية الأميركية الإسرائيلية المشتركة ضد إيران، في فبراير الماضي، كشفت وجود اختلالات في هذا المنطق، حيث فشل التوقع بأن الضربات الموجهة ستؤدي إلى انهيار نظام «الولي الفقيه» سريعاً، دون مراعاة مرونة إيران المؤسسية، وكذلك قدرتها على الرد غير المتكافئ.
ومع حلول شهر مايو الجاري، لا يزال الصراع قائماً دون حل. وحتى الآن فقد تحملت إيران الضغوط العسكرية، وردت بوسائل حاولت من خلالها زعزعة استقرار المنطقة، مما أثر على أسواق الطاقة العالمية والأمن البحري الدولي. وحتى مع وجود مزايا تكتيكية، يبقى تحقيق نصر حاسم للولايات المتحدة أمراً غير مؤكد في المدى القريب.
ويعتبر الدرس المستفاد من تينك الحالتين هو أن الحرب غالباً ما تقوم على افتراضات متفائلة. وفي كلتا الحالتين، لم يكن هناك ما يكفي من التخطيط لسيناريوهات عدم تحقق الأهداف الأولية. وتؤكد هذه الأحداث أن الدول التي تبدو أضعف من الناحية التقليدية يمكنها استغلال الجغرافيا وتكتيكات التكيف لتعويض الفجوات العسكرية. ولا ينبغي النظر إلى الحرب باعتبارها امتداداً مباشراً ومضمونَ النتائج للسياسة، بل كعملية مشروطة وغير يقينية. فالصراع العسكري يولِّد عواقب معقدة وغير متوقعة يصعب التنبؤ بها. وعلى صناع القرار الذين يفكرون في استخدام القوة أن يدركوا هذه الحالة من عدم اليقين إدراكاً كاملاً، مع أن سوء التقدير يظل سمةً متكررةً في تاريخ الحروب عامةً.
*مدير البرامج الاستراتيجية بمركز ناشونال انترست - واشنطن
إقرأ المزيد


