جريدة الإتحاد - 5/9/2026 12:39:00 AM - GMT (+4 )
تحتلّ الأسرة مكانةً محوريةً في المنظومة التنموية لدولة الإمارات العربية المتحدة، وفي ظلّ التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، باتت الحاجة إلى أُطر متكاملة تصون تماسك الأسرة وتعزّز أمنها أكثر إلحاحاً من أيّ وقت مضى. وفي هذا السياق، تأتي مبادرة «ميثاق الأسرة الآمنة» التي أطلقتها القيادة العامة لشرطة أبوظبي، ممثلةً في إدارة الشرطة المجتمعية، تجسيداً حيًّا لهذا التوجه الاستراتيجي الذي يجعل من الأسرة ركيزةً أساسية في منظومة الأمن المجتمعي الشامل.
وقد جاء إطلاق هذا الميثاق في الثامن والعشرين من إبريل 2026، متزامناً مع عام الأسرة، وهو يُعد تعبيراً صادقاً عن إيمان دولة الإمارات بأن الأمن الحقيقي لا يتحقق بمعزل عن استقرار الأسرة وسلامة بنيتها.
ولا يُمثّل الميثاق لا حدثاً عابراً أو استجابةً آنية، بل يندرج في سياق استراتيجي أعمق يرتكز على مبدأ «الأمن الاستباقي»، ذلك المبدأ الذي يُقدّم الوقاية على العلاج، ويُحوّل المجتمع من متلقٍّ للأمن إلى شريك فاعل في صناعته وصونه.
ويقوم الميثاق على ثلاثة أهداف متكاملة تُشكّل منظومةً متناسقة؛ تقوم على تعزيز الأمن والاستقرار الأسري والمجتمعي بوصفه غايةً جوهرية لا تقبل المساومة، وترسيخ القيم الإيجابية والسلوكيات المسؤولة التي تُمثّل الضمانة الحقيقية لديمومة هذا الاستقرار وتجذّره، فضلاً عن رفع مستوى الوعي بالممارسات الآمنة، وهو البُعد الذي يُحوّل الميثاق من وثيقة نظرية إلى أداة تغيير فعلي في الحياة اليومية للأسر.
وتنسجم هذه المبادرة مع الأهمية القصوى التي يحظى بها المجتمع في دولة الإمارات، وهو ما تجلى في جعل عام 2025 «عاماً للمجتمع» تحت شعار «يداً بيد». فهذا الشعار الجامع يُعبّر عن فلسفة راسخة تؤمن بأن التنمية الحقيقية لا تتحقق إلا حين يتكاتف الجميع، وحين تغدو الأسرة شريكاً أساسياً في عملية التنمية لا مجرّد مستفيد. ومن هذا المنطلق، يتجاوز «ميثاق الأسرة الآمنة» حدود العمل الأمني التقليدي ليتحوّل إلى مشروع مجتمعي متكامل يُعيد تعريف العلاقة بين المنظومة الأمنية وأفراد المجتمع.
وتجدر الإشارة إلى أن الميثاق يعكس قناعةً راسخة مفادها أن أفراد المجتمع ليسوا مجرد متلقّين لخدمات الأمن، بل شركاء حقيقيون في صناعته وصونه. وهذا التحوّل في المفهوم يُمثّل قيمةً مضافة لا تقلّ أهمية عن الأهداف المُعلنة للميثاق ذاته، إذ يرسخ لدى الأسرة الإماراتية شعوراً عميقاً بالمسؤولية والانتماء، ويُحوّل القيم من مبادئ مُجرّدة إلى ممارسات يومية راسخة. فالأسرة التي تُدرك دورها الأمني تُنشئ أبناءها على الوعي والمسؤولية، وهؤلاء الأبناء هم بناة المجتمع ورعاة مستقبله.
ولا يمكن قراءة هذه المبادرة بمعزل عن فلسفة المنظومة التنموية الشاملة لدولة الإمارات، والتي تسير عبر مسارات ثلاثة متوازية ومتكاملة. يتجلّى أوّلها في التمكين الاجتماعي والاقتصادي الذي يصون الموروث الثقافي ويعزّز رفاهية الأسرة، وهو ما ينعكس في العديد من مبادرات دعم المواطنين كبرنامج علاوات التضخم بميزانيته البالغة 3.5 مليار درهم. ويتجلّى ثانيها في التمكين المعرفي والثقافي الذي يبني مجتمع المعرفة ويُهيئ الأجيال الناشئة لمواجهة تحديات المستقبل. أما ثالثها فهو التمكين السياسي الذي يُعزّز مشاركة جميع فئات المجتمع، ويُكرّس مبدأ الشورى بوصفه منهجاً راسخاً لا مجرد شعار عابر.
ومن الناحية العملية، يُشكّل «ميثاق الأسرة الآمنة» أداةً وقائية تُسهم في تحصين الأسرة من الداخل قبل أن تمتدّ آثارها إلى الخارج. فالأسرة المتماسكة التي تتّسم بالوعي والمسؤولية هي خط الدفاع الأول في مواجهة كل ما يُهدّد النسيج الاجتماعي من انحرافات وتحديات.
يُمثّل «ميثاق الأسرة الآمنة» حلقةً في سلسلة متواصلة من الجهود الوطنية الرامية إلى بناء مجتمع متماسك، قادر على صون هويته والتكيّف مع متطلبات عصره في آنٍ واحد. فهو يُجسّد قناعةً راسخة بأن الأمن المجتمعي الحقيقي لا يُبنى بالتدابير الأمنية وحدها، بل يتجذّر في قيم الأسرة ووعيها ومسؤوليتها. وهكذا تتكامل جهود شرطة أبوظبي مع الرؤية الوطنية الشاملة في تحقيق هدف استراتيجي جامع: أسرة آمنة، مجتمع متماسك، ووطن مزدهر.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.
إقرأ المزيد


