سياسات ترامب.. بين حربين
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

من المفارقات العديدة في الحرب الأميركية ضد إيران أنه قبل عام واحد فقط، افترض معظم منتقدي الرئيس ترامب أن أي أزمة قد تواجهها الولايات المتحدة في ولايته الثانية لن تنجم عن حرب غير محسومة العواقب، بل عن سياسة الاسترضاء والانسحاب. وقد وُصفت مساعي ترامب للسلام بين روسيا وأوكرانيا على وجه الخصوص بأنها «خروج على خط السياسة الأميركية» سيؤدي إلى كارثة لأوروبا ويفقِد الولايات المتحدة مصداقيتَها لدى حلفائها الغربيين.
لكن اليوم، وبينما يعاني ترامب لإيجاد مخرج من حربه في الشرق الأوسط، تبدو سياسةُ إدارته تجاه أوكرانيا نقيضاً تاماً لسياسته تجاه إيران.
 الكثير من المدافعين عن أوكرانيا ينتقدون السياسة الأميركية تجاهها، لما تضمنته من «ضغوط غير مبررة» على كييف لعقد تسوية، ولما اشتملت عليه من تراجع للدعم الأميركي. لكن الإصرار الأوكراني والدعم الأوروبي سدا الثغرة، مُثبتَين أن إدارة ترامب كانت مخطئةً في اعتبار مجهود كييف الحربي محكوماً عليه بالفشل.
لقد افترض العديدُ من المراقبين أن فشل الهجوم الأوكراني في عام 2023 ينذر بمستقبل ستتمكن فيه روسيا تدريجياً مِن إنهاك القوات الأوكرانية. وقد عكست سياسة إدارة ترامب نحو السلام التفاوضي هذا الافتراض جزئياً، إذ أصرت على أن وقت أوكرانيا ينفد. لكن بدلاً من ذلك، أدت الطائرات المسيرة الأوكرانية إلى عرقلة تقدم القوات الروسية، لدرجة جعلت موسكو تبدو أكثر ارتياباً من أي وقت منذ بداية الحرب.
لكن وسائلَ بقاء أوكرانيا، حيث تتقدم أوروبا بينما تتراجع الولايات المتحدة، ليست دليلاً على فشل أميركا. بل هي مثال على التكيف الأميركي الناجح في عالَم لم يعد يشبه حقبةَ التسعينيات. ومن بين جميع مناطق الخطر والأزمات في العالم، تُعد المناطق الحدودية الشرقية لأوروبا المكانَ الذي ينبغي لأميركا أن تعتمد فيه على حلفائها كخط دفاع أول. وبينما يعَد صمود أوكرانيا بدعم أوروبي أكبر ومساعدات أميركية مباشرة أقل دليل على نجاح هذا التوازن، وبالتالي فهو خبر سار لاستدامة قوة الحضور الأميركي وليس مؤشراً على أن واشنطن على وشك التخلي عن هيمنتها العالمية لصالح بروكسل أو أوتاوا أو برلين.
والسؤال هنا هو: هل كان من الأفضل الوصول إلى هذه المرحلة بنهج سياسي أقل فوضوية، مع خطاب أميركي أقل اتساقاً أخلاقياً بين طرفي الحرب، وأقل استبداداً تجاه حلفائنا الغربيين؟ 
هناك نقطتان جديرتان بالذكر: أولاً، لم يكتفِ ترامب بتقليص الالتزامات الأميركية، مع مطالبته الأوروبيين ببذل المزيد، بل حافظ على أشكال الدعم الميداني الرئيسية، ما مكّن أوكرانيا من الوصول إلى مزايا لم تكن متاحةً لها في عهد بايدن، بما يشمل صواريخ بعيدة المدى وتبادل المعلومات الاستخباراتية. ومِن غير المؤكد ما إذا كان هذا التوازن مثالياً، ولكنه توازن حقيقي دون تنصل من المسؤولية.
أما النقطة الثانية، فهي أن استراتيجية ترامب في السياسة الخارجية وصرامته تجاه الحلفاء الغربيين تحققان للولايات المتحدة في بعض الأحيان نتائجَ أفضل من أساليب الدبلوماسية السلسة التقليدية. وإذا كنا بحاجة إلى إعادة تسليح أوروبا لحفظ الأمن والاستقرار في منطقتها، فإن تهديدات ترامب وضغوطاته كانت بمثابة عامل تسريع جيوسياسي، وآلية غير مثالية لكنها فعالة، لإجبار أوروبا على «التخلي عن ماضيها السلبي». وربما كان رئيس أكثر دهاء ومثالية ليُحقق نتائج أفضل، لكن ربما كان سيُبقي البلادَ في مستنقع ويترك حلفاءَ أميركا في غفلة.
وهذا يعيدنا إلى التباين مع حرب إيران، ودور حلفاء أميركا، حيث انقاد ترامب لإغراء الحليف الإسرائيلي، بينما طمأن حلفاءَنا في أوروبا منذ البداية إلى أننا لسنا بحاجة لمساعدتهم، ثم ما لبث أن بدا غاضباً لأنهم لا يقدمون مساعدة كافية. 
ولا تزال نتائج الحربين الإيرانية الأوكرانية غير واضحة المعالم. لكن في حالة أوكرانيا، يمكننا على الأقل أن نرى ملامح هيكل أمني قد يصمد بعد ترامب وبصبح أكثر استقراراً مع مَن يأتون بعده. الشرق الأوسط في صميم المصالح الأميركية، سيكون السعي لتحقيق مكاسب أمنية في أوكرانيا والإنفاق الفوري في الخليج العربي منطقياً إلى حدٍ ما. 

 


 *كاتب أميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز» 



إقرأ المزيد