سحب القوات الأميركية من ألمانيا.. إنذار لأوروبا
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

بينما ينصب تركيز العالم على الحروب الدائرة في الشرق الأوسط وأوكرانيا، مر تطور جيوسياسي مهم في أوروبا مرور الكرام، وهو قرار الرئيس دونالد ترامب سحب 5000 جندي من ألمانيا بعد رفضها دعم الهجمات الأميركية على إيران. ورغم أن العدد لا يمثل سوى أقل من 10% من القوات الأميركية المتمركزة في أوروبا، والتي تتراوح بين 80 و90 ألف جندي، إلا أنها تُعتبر خطوة تحذيرية شديدة اللهجة للقارة الأوروبية.
فهل تلك الخطوة مجرد رسالة رمزية في جوهرها، أم أن الانسحاب سيضر بحلف شمال الأطلسي «الناتو» ويُضعف الأمن الأوروبي؟ وهل هناك خطوات أخرى قد يتخذها ترامب إذا استمر الأوروبيون في تحديه؟ وما هي التداعيات الاستراتيجية طويلة الأمد لتلك الخطوة، ليس فقط في أوروبا، بل في آسيا أيضاً؟

ولا تعتبر الضغوط الرامية إلى تقليص الوجود العسكري الأميركي في أوروبا جديدة تماماً، حيث شهدنا ذلك مراراً خلال ذروة «الحروب الأبدية» في العراق وأفغانستان بين عامي 2009 و2013، حين كان هناك حاجة إلى تعزيز قدراتنا القتالية في تلك الدول، وكذلك قبل الحرب الروسية - الأوكرانية، وخلال فترة «توجه إدارة أوباما نحو آسيا»، وبسبب ذلك، درسنا بجدية إمكانية خفض الوجود العسكري في أوروبا.
إلا أن ما يجعل اللحظة الراهنة مختلفة هو نبرة الخطاب المصاحبة لهذا الانسحاب، فمن الواضح أن ترامب يشعر بالإحباط من أوروبا، ولا سيما من المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الذي قال: إن الولايات المتحدة تتعرض لـ«الإذلال». وإلى جانب ألمانيا، أثارت كل من بريطانيا وإسبانيا وإيطاليا غضب ترامب لعدم منحها القوات الأميركية حرية كاملة لاستخدام قواعدها العسكرية. ولذلك، فمن المرجح أن تكون هذه الخطوة بداية لتحول أوسع.

وقد تواصل الولايات المتحدة هذا النهج عبر تقليص عدد سفنها الحربية في روتا بإسبانيا، التي تُعد الميناء الرئيسي لست مدمرات أميركية مزودة بصواريخ موجهة. كما قد تشمل التخفيضات القوات البرية الأميركية في إيطاليا، بما فيها اللواء المحمول جواً 173، وهو أحد أهم قوات التدخل السريع التابعة للولايات المتحدة والناتو. وقد تختار واشنطن أيضاً سحب بعض أسراب سلاح الجو من المملكة المتحدة.

وإذا استمرت الإدارة الأميركية في خفض قواتها في أوروبا، فسيكون لذلك أثران، أولهما هو تعزيز «الصحوة» الدفاعية الأوروبية التي بدأت منذ حرب أوكرانيا. فإذا واصلت واشنطن تقليص وجودها فسيرد الأوروبيون بزيادة إنفاقهم الدفاعي، وتجنيد المزيد من القوات في الخدمة الفعلية، وتحمّل حصة أكبر من العبء الدفاعي، وهذا ليس بالأمر السيئ.

أما الأثر الآخر فسيكون تقليل النفوذ الأميركي على حلف الناتو وشركائه في الاتحاد الأوروبي. فهل سيكون الأوروبيون بنفس القدر من الاستعداد لمرافقة واشنطن إلى آسيا، وتحدي مزاعم الصين بالسيادة على بحر الصين الجنوبي الشاسع مثلاً؟ على الأرجح لا، بل سيكونون أقل حماساً للمشاركة في المزيد من العمليات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط، مثل المساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز.

ومن الآثار المحتملة الأخرى، لا سيما إذا مضت الإدارة قدماً في خفض القوات في إيطاليا والمملكة المتحدة وإسبانيا، تثبيط رغبة الدول الأخرى في استضافة القوات الأميركية، وهو ليست بالأمر الهين: إذ تغطي اليابان ما يصل إلى 75% من تكاليف تمركز القوات الأميركية، على سبيل المثال، من خلال تعويضات عن الرواتب والمرافق وبناء القواعد، بينما تساهم جمهورية كوريا الشقيقة بنحو 50%. كما تساهم الدول الأوروبية بشكل كبير، وتقوم تلك الدول بذلك الدور لأن وجود الجيش الأميركي على أراضيها يمنحها شعوراً أعمق بالأمن، وينعش اقتصادها المحلي. ولكن إذا رأت هذه الدول انسحاب الولايات المتحدة دون سابق إنذار أو تشاور فستبدأ بإعادة النظر في هذه الفوائد.
أما بالنسبة للولايات المتحدة فيحمل تمركز القوات في الخارج تكاليف مالية، لكن عودتها إلى البلاد قد يكون أكثر تكلفة بكثير. كذلك تتضح مزايا وجود القوات الأميركية في قواعد خارجية في أن نشرها في مواقع متقدمة بالقرب من بؤر التوتر العالمية يردع الهجمات على حلفاء واشنطن، وبالتالي عليها أيضاً، كما أن تلك القوات تتدرب وتتفاعل باستمرار مع الحلفاء، وهي فوائد بالغة الأهمية.وبشكل عام، ورغم وجود بعض التحديات اليومية ضمن شبكتنا العالمية من الحلفاء والشركاء والأصدقاء، فإن فوائد تمركز القوات الأميركية في الخارج تفوق ما يتعرض له هذا التمركز من تحديات. وإذا كنا بصدد تقليص القوات بشكل عام، وهو قرار مثير للجدل في ظل الأوضاع الجيوسياسية المضطربة الراهنة، يجب التشاور الدقيق مع الحلفاء أولاً؛ فالانسحاب المفاجئ وغير المخطط له والمتسرع قد يخلق مشاكل أكثر مما يحل.
 *أميرال متقاعد في البحرية الأميركية، وقائد سابق لقوات «الناتو».
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن». 



إقرأ المزيد