حين يصبح النجاحُ امتحاناً لضمائر الخصوم
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

تُقاس حيوية الأمم بما تُنجزه في الواقع، وتُعرف صلابة الدول بقدرتها على تحويل الرؤية إلى مؤسسات، والطموح إلى سياسات، والتحديات إلى فرص. وفي هذا الموضع تبدأ مفارقة سياسية وإنسانية لافتة، إذ إن بعض الخصومات لا تُولد من أخطاء الدولة، بل من نجاحها ذاته.
حين تنجح دولةٌ في تثبيت اقتصادها، وصيانة تماسكها الاجتماعي، وبناء حضور دولي مؤثر، فإنها لا تحقق إنجازاً إدارياً فحسب، بل تهز تصورات راسخة لدى مَن اعتادوا الاعتقادَ بأن الفوضى قدَرٌ، وأن الاستقرارَ مجرد استثناء عابر، وأن النهوضَ لا يعدو أن يكون خطاباً للاستهلاك. فنجاح الدولة هنا لا يصبح خبراً سياسياً، بل واقعة فكرية تفرض مراجعات موجعة.
ثمة مَن جعلوا من الأزمة موطِناً ذهنياً دائماً، ومن المظلومية تفسيراً جاهزاً لكل التحولات. هؤلاء يجدون صعوبةً في التعايش مع النماذج التي تَبني، لأن البناء يطرح سؤالاً ثقيلاً: لماذا استطاع آخرون إدارةَ الواقع، بينما ظلّ أصحابُ الشعارات أسرى الوعود؟
المشكلة أنّ بعض المشاريع تعاملت مع الدولة باعتبارها فكرةً خطابيةً قابلةً للتشكيل النظري، بينما الدولةُ في حقيقتها كيانٌ معقد، يقوم على إدارة المصالح، وضبط التوازنات، واتخاذ قرارات دقيقة في الاقتصاد والتعليم والأمن والعلاقات الدولية. الفارق كبير بين مَن يتحدث عن الدولة ومَن يختبر يومياً أعباءَ إدارتها.
ولهذا يصبح نجاح الآخرين عبئاً نفسياً على المشاريع التي لم تُنتج نموذجاً قابلا للحياة. فالاعتراف بإنجاز منافس لا يعني مجرد اختلاف في التقدير، بل قد يفرض إعادةَ نظر في سنوات من القناعات المغلقة. وهنا تبدأ آلياتُ التبرير: التقليل من النجاح، تأويله أخلاقياً، أو البحث عن سرديات تخفف من أثره الرمزي.
 لهذا تتغير الخطابات بسرعة. فإذا فقد النقدُ السياسي أثرَه، جرى استدعاء مفردات العدالة أو الهوية أو الحرية أو غيرها من القيم الكبرى، لا بوصفها موضوعاً للنقاش المسؤول، بل كوسائل لتفسير عجز لم يُرَد الاعتراف به. المشكلةُ ليست في القيم، بل في تحويلها إلى أقنعة تخفي أزمةً أعمق.
 الدولة الحديثة ليست منصةً للهتاف، بل منظومة عمل وانضباط وكفاءة. ولهذا كثيراً ما يتعثر مَن أحبوا الصورة المثالية للسلطة حين يقتربون من الواقع، لأن المجتمعات لا تُدار بالحماسة وحدها، ولا تُبنى بالخطابة، بل بفهم الإنسان وتعقيدات المصالح وتحولات العالم.
 والأشد دلالةً أن الإنجاز الصامت عادةً ما يكون أكثر تأثيراً من السجالات كلها. جسر يُبنى، جامعة تتقدم، استثمار يُنجز، مكانة دولية تُكتسب.. هذه الوقائع لا تناقش خصومَها بالكلام، بل تضعهم أمام حقيقة صلبة؛ ألا وهي أن النهضة ليست امتيازاً نظرياً تحتكره جماعةٌ أو أيديولوجيا.
الدول ليست فوق النقد، فالنقد جزءٌ مِن نضجها، غير أن هناك فَرقاً بين نقد يطلب الإصلاح، وعداء ينزعج من مجرد وجود نموذج ناجح. الأول يعزز التجربةَ، والثاني يكشف مأزقَ صاحبه.
 كثيرٌ مِن المشاريع لم تسقط لأنها حوربت، بل لأنها أخفقت حين لامست الواقع. اكتشفت أن الشرعية لا تُمنح بحرارة الخطاب، بل بالقدرة على تحسين حياة الناس، وصيانة الاستقرار، وبناء الثقة في المستقبل.
وتبقى بعض الخصومات، في جوهرها، مواجهة مع مرآة قاسية، فنجاحُ الدولة لا يزعج لأنها نجحت فحسب، بل لأنه يكشف حدودَ الذين اعتادوا تفسير العالم من موقع الخيبة.


 *أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة



إقرأ المزيد