الإمارات.. دولة سلام تواجه مشروع الفوضى
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

أفادت وكالة أنباء الإمارات، في 17 مايو 2026، بأن الجهات المختصة في إمارة أبوظبي تعاملت باحترافية عالية مع حريق اندلع في مولد كهربائي خارج المحيط الداخلي لمحطة براكة للطاقة النووية، نتيجة استهداف بطائرة مسيّرة، من دون تسجيل أي إصابات، ومن دون أي تأثير على مستويات السلامة الإشعاعية. وقد أكد ذلك مجدداً كفاءةَ المنظومة الإماراتية وقدرتها على حماية منشآتها الحيوية والتعامل مع التهديدات بأعلى درجات الجاهزية والمسؤولية.
وتعلم إيران، يقيناً، أن المشروع النووي الإماراتي السلمي يمثّل نموذجاً حضارياً ومسؤولاً في المنطقة، نموذجاً يقوم على التنمية والشفافية واحترام القانون الدولي، لا على التهديد والمغامرة. ولو أن إيران اختارت منذ البداية طريقَ التنمية الحقيقية بدلاً من عسكرة مشروعها الإقليمي، لوفّرت على شعبها والمنطقة عقوداً مِن التوتر والعقوبات والعزلة. بل إن النموذج الإماراتي كان كفيلاً لو اقتدت به طهران بأن يمنح مصداقيةً لادعاءاتها المتكررة بشأن «سلمية» برنامجها النووي، ويحفظ حتى الفتوى التي لطالما رُفعت شعاراً لتحريم السلاح النووي.
وفي الوقت الذي تمضي فيه دولةُ الإمارات العربية المتحدة بثبات نحو ترسيخ الاستقرار والتنمية وبناء الشراكات الإقليمية والدولية، تصرّ إيران على إعادة إنتاج صورتها التقليدية كدولة مأزومة في علاقتها مع جوارها، لا تتقن سوى لغة التهديد، وتغذية الأزمات، وتصدير الفوضى عبر الأذرع المسلحة والطائرات المسيّرة والخطابات الأيديولوجية المتشددة.إن أي اعتداء يستهدف أمن الإمارات أو سلامة أراضيها لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثاً عابراً أو فعلاً منفلتاً، بل هو امتداد لعقيدة سياسية وأمنية تقوم على تصدير الأزمات إلى المحيط العربي، واستخدام الوكلاء والميليشيات أدواتٍ للنفوذ والابتزاز السياسي.
 لقد تعاملت الإمارات، على مدى عقود، مع إيران بأقصى درجات الحكمة وضبط النفس، رغم ما شاب العلاقة من توترات وخلافات. فلم تكن الإمارات يوماً دولةَ عدوان ولا تصعيد، ولم تنخرط في خطاب الكراهية أو التحريض، بل أبقت على الدوام أبوابَ الحوار مفتوحةً، وحافظت على العلاقات الإنسانية والاقتصادية في حدودها الممكنة، وقدّمت نموذجاً راقياً في احترام الجوار وعدم الانجرار إلى الاستفزازات.
غير أن هذا النهج الحضاري قُوبل، للأسف الشديد، بعقلية مختلفة، عقلية ترى في حسن النية ضعفاً، وفي التسامح فرصةً للتمادي، وفي ضبط النفس مساحةً لاختبار حدود الصبر السياسي والأمني.
 والمشكلة الحقيقية لا تكمن في حادثة اعتداء بعينها، بل في المشروع الذي يقف خلفها، مشروع يقوم على عسكرة الإقليم، وتغذية الانقسامات الطائفية والسياسية، واستخدام الشعارات الثورية غطاءً للتدخل في شؤون الدول العربية. فمن العراق إلى سوريا ولبنان واليمن، تبدو البصمةُ الإيرانية مرتبطةً في كثير من المحطات بإنهاك الدولة الوطنية، وإشعال الصراعات، وتقويض الاستقرار.
وفي المقابل، تَحضُر الإماراتُ بوصفها دولةَ بناءٍ وتنمية واستثمار وتحديث.. دولة تؤمن بأن قوة الأمم تُقاس بما تبنيه لشعوبها وللإنسانية، لا بما تخلّفه من فوضى وخراب. فلم تُعرف الإمارات يوماً بتمويل الميليشيات أو تصدير السلاح والفوضى، بل عُرفت ببناء الإنسان، وإغاثة المنكوب، وتعزيز فرص السلام والتعايش والتنمية المستدامة.
 إن استهداف الإمارات لا يعبّر عن قوة إيران بقدر ما يكشف عمقَ أزمتها السياسية والأخلاقية.. فالدول الواثقة من نفسها تلجأ إلى القانون الدولي والحوار واحترام سيادة الدول، لا إلى الطائرات المسيّرة والرسائل التخريبية. وعندما تصبح أدوات العنف وسيلةً دائمةً لإدارة العلاقات الخارجية، فإن ذلك يكشف الفشلَ وليس النجاح.ومن حق الإمارات، وفقاً لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، أن تدافع عن أمنها وسيادتها بكل الوسائل المشروعة، وأن تتخذ ما يَلزم لحماية شعبها وأرضها ومنشآتها الحيوية. فحماية الوطن ليست خياراً سياسياً مؤقتاً، بل واجباً سيادياً وأخلاقياً لا يقبل التهاون أو المساومة.
 ويبقى الفارق واضحاً أمام العالم: دولة تبني المستقبلَ بعقل الدولة والحضارة والتنمية، ودولة لا تزال أسيرةَ عقليةِ الثورة والشعارات التي استهلكها الزمن، حتى باتت تصطدم بشعبها قبل جوارها.
ستظل الإماراتُ دولةَ سلام، لكنها أيضاً دولة قوية، تعرف كيف تحمي أمنَها، وتردع كلَّ مَن يخطئ في فهم صبرها وحكمتها.

*سفير سابق



إقرأ المزيد