اقتصاد الرعاية الصحية.. ميزةٌ تنافسية للنساء
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

تتحول الولايات المتحدة بسرعة إلى دولة ذات اقتصادين: اقتصاد راكد للرجال، واقتصاد متنامٍ للنساء. فقد وفّرت البلادُ العامَ الحالي أكثر من 165 ألف وظيفة في القطاع الخاص، وشغلت النساء 72% منها، فيما يعكس، إلى حدٍّ ما، تغيّراً هيكلياً في الاقتصاد، حيث يتركز النمو في قطاعات ترجح فيها فرص توظيف النساء، مثل الرعاية الصحية. ولكنه يعكس أيضاً سلسلة من الخيارات السياسية التي تهدف إلى جعل الاقتصاد أكثر أماناً، لكنها جعلته أقل ملاءمةً للرجال.
وتشهد فرصُ عمل الرجال انخفاضاً مستمراً منذ سنوات، متزامنةً مع تراجع قطاع التصنيع بسبب التكنولوجيا وصعود قطاع الخدمات. كما تشهد أميركا شيخوخةً سكانيةً، مما يعني زيادةَ الوظائف في قطاع الرعاية الصحية، الذي تُشكّل النساء نحو 80% من قوته العاملة. وطبيعةُ التكنولوجيا تجعل سوقَ العمل أكثر ملاءمةً للأشخاص ذوي التعليم العالي، والنساء أكثر ترجيحاً من الرجال للحصول على شهادة جامعية.
ولا تقتصر النتيجةُ على بطالة الرجال فحسب، بل تشمل أيضاً عدم توظيفهم. فقد ازداد عدد الرجال الباحثين عن عمل والرجال الذين توقفوا عن البحث عنه بمرور الوقت، حتى بين الرجال في ذروة سنوات العمل والإنتاج.
ومن المهم الإشارة إلى أن عدد الرجال العاملين لا يزال أكبر من عدد النساء العاملات. لكن تزايد أعداد الرجال العاطلين عن العمل قد يتحول إلى مشكلة للاقتصاد والمجتمع، إذ قد يكون أحد أسباب تراجع معدلات الزواج وارتفاع عدد الأمهات العازبات. كما أن الرجال غير العاملين أكثر عرضةً لمشكلات الصحة النفسية. وعندما يكون الرجال في أفضل سنوات حياتهم خارج العمل، يُمثل ذلك خسارةً في الإمكانات الاقتصادية والشخصية.
كما أنه مع تغيُّر الاقتصاد القائم على التكنولوجيا، يتحول التركيزُ من التصنيع والنقل، وغيرهما من الوظائف التي كانت حكراً على الرجال، إلى الخدمات والرعاية. ورغم أن بعض الاقتصاديين والمعلقين يرغبون في أن يُغير الرجالُ ميولَهم ويتجهوا إلى مهنة التمريض، فإن هذا ليس حلاً يصلح للجميع.
ومع ذلك، فبعض هذه التوجهات مدفوعة بالسياسات العامة، ويمكن عكسها من خلال سياسات تسمح بالمخاطرة وتُكافئ عليها. ويعكس تركُّز غالبية فرص العمل الحالية في قطاع الرعاية الصحية، أو في القطاعين الحكومي والتعليمي، مجتمعاً يسعى إلى تقليل المخاطر. فمن خلال نظامها الضريبي ولوائح العمل، تُشجِّع الولاياتُ المتحدة على زيادة نسبة التعويضات التي تأتي على شكل تأمين، لاسيما التأمين الصحي، بدلاً من الراتب النقدي الصافي. وبالطبع، فللتأمين الصحي فوائده، لكنه يشجّع أيضاً على زيادة الإنفاق على الخدمات الصحية، ويفصلها عن الأسعار، وهذا في القطاع الخاص فقط. كما تنفق الولايات المتحدة المزيدَ على الرعاية الصحية من خلال برامج الدعم الحكومية، وخاصة برنامج «ميديكير» للتأمين الصحي للأشخاص في سن 65 عاماً فأكثر أو ذوي الإعاقات، وبرنامج «ميديكيد» للمساعدة الطبية للأفراد ذوي الدخل المحدود، بغضّ النظر عن العمر.
وتتمثل النتيجة النهائية في زيادة حصة الرعاية الصحية في الاقتصاد. وهذا ليس بالضرورة أمراً سيئاً، إذ يُمكن القول إن الشعور بالأمان والتغطية التأمينية الأوسع يُحسّنان الصحةَ العامة، ولكن موارد الولايات المتحدة محدودة، والإنفاق على الرعاية الصحية خيار اقتصادي وله تبعاته. ومن بين هذه التبعات انخفاض فرص العمل المتاحة للرجال. إذ تُشير دراسة حديثة إلى أن انخفاض ساعات العمل، الناتج عن خروج الرجال من سوق العمل، يُمكن تفسيره بالتوسع الهائل لبرنامج «ميديكيد» خلال 50 عاماً الماضية. ويُثبط برنامج «ميديكيد» العملَ، لأن المستفيدين منه يفقدون مزايا التأمين الصحي عند زيادة دخلهم.
وهناك أيضاً لوائح بيئية وقيودُ بناء، تُعتبر شكلاً من أشكال تجنُّب المخاطر، سواء على البيئة أو الأحياء السكنية. كما تُصعب تلك اللوائحُ بناءَ المزيد من المنازل، مما يحدّ من فرص العمل في قطاع البناء ويرفع تكلفةَ السكن. وهذا بدوره يُصعب الإقدامَ على مخاطرة الانتقال بحثاً عن وظيفة أفضل.
وتسعى بعضُ الولايات أيضاً إلى تقييد العمل المؤقت وإلزام الشركات بتوظيف المزيد من العمال كموظفين دائمين بدلاً من المقاولين. ويعتبر ذلك أيضاً شكل من أشكال سياسة تجنب المخاطر: إذ يهدف إلى ضمان حصول العمال على المزيد من المزايا والحماية الوظيفية، لكنه في الوقت نفسه يزيد من تكلفة التوظيف، لا سيما في الوظائف التي لا تتطلب شهادةً جامعيةً. كما يُفضل هذا التوجه نحو تجنُّب المخاطر الوظائف المكتبية في مجالات مثل الموارد البشرية والامتثال، والتي غالباً ما تهيمن عليها النساء.
ورغم أن محاولات جعل الاقتصاد أكثر أماناً وتنظيماً تنطلق من نوايا حسنة، لكنها تجعل الاقتصادَ أقل حيويةً وديناميكيةً. وبما أن النساء يعملن غالباً في وظائف أكثر استقراراً وأقلّ اعتماداً على الجهد البدني، فإنهن يستفدن بدرجة أكبر.والحل ليس في محاولة جعل الاقتصاد أكثر أماناً، مثل تبنِّي سياسات صناعية لخلق وظائف مضمونة في قطاع التصنيع، بل إن أفضل طريقة لدعم الاقتصاد عموماً، والحدّ من بطالة الرجال، هي تشجيع روح المبادرة والمخاطرة.


*زميلة بارزة في معهد مانهاتن

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»



إقرأ المزيد