أطلس مدعوم بالذكاء الاصطناعي يكشف الأضرار الخفية للسمنة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

تؤثر السمنة بما يتجاوز بكثير عملية الأيض وتخزين الدهون، إذ تُحدث تغيّرات عميقة في نشاط الجهاز المناعي، وبنية الأعصاب، وتنظيم الأنسجة عبر أنظمة متعددة في الجسم، ما يرفع خطر الإصابة بأمراض خطيرة تشمل السكري من النوع الثاني، وأمراض القلب والأوعية الدموية، والسكتة الدماغية، والاعتلال العصبي، والسرطان. وعلى الرغم من هذا الامتداد الجهازي الواسع، ظلّ الباحثون يفتقرون إلى أدوات تمكّنهم من تتبّع هذه التغيرات داخل الجسم الحي بالكامل وبدقة خلوية عالية.

طوّر فريق بحثي بقيادة البروفيسور علي إرتورك، مدير معهد الذكاء البيولوجي Institute for Biological Intelligence (iBIO) وأستاذ في Ludwig Maximilian University of Munich (LMU)، منصة حوسبة جديدة تحمل اسم MouseMapper، تعتمد على نماذج تعلم عميق أساسية (Foundation Models) لتحليل بيانات التصوير البيولوجي لكامل الجسم. وتعمل المنظومة على تجزئة 31 نوعاً من الأعضاء والأنسجة تلقائياً، مع إنشاء خرائط كمية دقيقة للأعصاب والخلايا المناعية في مختلف أنحاء الجسم، ما يتيح تحليلاً شاملاً متعدد الأنظمة في نماذج حيوانية سليمة.

وتقول الباحثة ينغ تشن، المشاركة الأولى في الدراسة المنشورة في مجلة Nature: «تم بناء MouseMapper على نموذج أساسي، ما يمنحه قدرة على التعميم تتجاوز بكثير البيانات التي دُرّب عليها».

فئران شفافة تكشف ما لا يُرى
لإنشاء خرائط كاملة للجسم، لجأ الباحثون إلى تمييز الأعصاب والخلايا المناعية باستخدام علامات فلورية يمكن رصدها بالمجهر. بعد ذلك، استخدموا تقنيات شفافية الأنسجة، التي تجعل جسم الحيوان شفافاً مع الحفاظ على الإشارات الفلورية، ما أتاح رؤية البنية الداخلية بعمق دون الحاجة إلى تقطيع الأنسجة.

وباستخدام مجهر الضوء الورقي ثلاثي الأبعاد (Light-sheet microscopy)، حصل الفريق على صور مجسّمة عالية الدقة لفئران كاملة، أنتجت بيانات ضخمة تضم عشرات الملايين من البُنى الخلوية عبر مختلف الأعضاء. وقام MouseMapper بمعالجة هذه البيانات تلقائياً، محدداً الأعصاب، وتجمعات الخلايا المناعية، والمناطق التشريحية بدقة شاملة.

هذا النهج مكّن الباحثين من تتبع مواقع الالتهاب والأضرار البنيوية في أنسجة متعددة مثل الدهون، والعضلات، والكبد، والأعصاب الطرفية، دون الحاجة إلى تحديد مناطق دراسة مسبقاً، ما أتاح رؤية غير مسبوقة للجسم كنظام مترابط.

السمنة تعيد تشكيل الأعصاب والمناعة
في خطوة لدراسة تأثير السمنة، خضعت الفئران لنظام غذائي عالي الدهون أدى إلى السمنة واضطراب التمثيل الغذائي بشكل مشابه لما يُلاحظ لدى البشر. وكشف تحليل MouseMapper عن تغيّرات واسعة في تنظيم الخلايا المناعية وبنية الأعصاب في جميع أنحاء الجسم.

ومن أبرز النتائج تغيّر بنية العصب ثلاثي التوائم، المسؤول عن الإحساس والحركة في الوجه. فقد أظهرت الفئران البدينة انخفاضاً واضحاً في تفرعات ونهايات هذه الأعصاب الحسية، ما يشير إلى تراجع في الوظيفة العصبية الطبيعية. كما بيّنت الاختبارات السلوكية استجابة أضعف للمحفزات الحسية مقارنة بالفئران النحيفة، ما يعكس ارتباط الضرر البنيوي بضعف الأداء الوظيفي.

وفي تحليل أعمق، درس الباحثون العقدة العصبية للعصب ثلاثي التوائم، وهي مركز الخلايا العصبية الحسية في الوجه، باستخدام تقنيات البروتيوميات المكانية. وكشف ذلك عن تغيّرات جزيئية مرتبطة بإعادة تشكيل الأعصاب والالتهاب. والأهم أن عدداً من هذه البصمات الجزيئية وُجد أيضاً في أنسجة بشرية لدى أشخاص يعانون من السمنة، ما يشير إلى تشابه محتمل في الآليات المرضية بين الفئران والإنسان.

وقالت الدكتورة دوريس كالتينيكر، الباحثة الأولى في معهد Institute for Diabetes and Cancer (IDC): «أظهرت النتائج تغيّرات بنيوية وجزيئية غير موثقة سابقاً في العقدة ثلاثية التوائم وفروعها الوجهية، مع الحفاظ على البصمة الجزيئية نفسها في الإنسان. مثل هذه النتائج لا يمكن الوصول إليها عند دراسة عضو واحد بمعزل عن باقي الجسم».

نحو فهم شامل للأمراض الجهازية
لا تقتصر أهمية MouseMapper على السمنة، إذ يرى الباحثون أنه يمثل تحولاً في دراسة الأمراض المعقدة التي تصيب عدة أجهزة في آن واحد، مثل السكري، والسرطان، والأمراض العصبية التنكسية، واضطرابات المناعة الذاتية. وعلى عكس الأساليب التقليدية التي تركز على عضو واحد، تتيح هذه المنصة رؤية متكاملة للجسم، مع القدرة على تحديد “بؤر المرض” عبر مختلف الأنسجة.

وقد أتاح الفريق بياناته كاملة بشكل مفتوح للباحثين حول العالم، ما يسمح بإعادة تحليل التغيرات المرتبطة بالسمنة على مستوى شامل.

ويختتم إرتورك قائلاً: «نهدف إلى بناء إطار شامل لفهم الجسم كنظام مترابط تتداخل فيه جميع أجزائه. رؤيتنا المستقبلية هي تطوير نماذج رقمية دقيقة للفئران في حالتي الصحة والمرض، يمكن اختبارها حاسوبياً كأطالس خلوية تفاعلية. هذا سيمكننا من رصد التغيرات المبكرة جداً للأمراض، وتصميم تدخلات وقائية، وتسريع تطوير العلاجات مع تقليل الحاجة للتجارب الحيوانية التقليدية».

 

أسامة عثمان (أبوظبي)



إقرأ المزيد