جريدة الإتحاد - 5/23/2026 11:07:13 PM - GMT (+4 )
هناك مقولة ساخرة شهيرة للاقتصادي بول سامويلسون بأن سوق الأسهم تنبأت بتسعة من أصل خمس حالات ركود اقتصادي خلال السنوات الأخيرة. وتشير المقولة إلى أن الخوف من الركود الاقتصادي يدفع كثيرين إلى المبالغة في توقّعه، سواء كانوا استراتيجيين أو اقتصاديين أو متداولين يوميين، تماماً كما يحدث في سوق الأسهم نفسه. فقلما توجد ظاهرة اقتصادية تحظى بهذا القدر من المتابعة والقلق مثل الركود الاقتصادي.
وهذا ما يجعل من اللافت أن العالم يشهد اضطراباً اقتصادياً يُضاهي الركود العظيم، دون أن يلاحظه إلا القليل. في الواقع، يسود الاعتقاد حالياً بأنه من الأفضل عدم الحديث عن مصدر هذا الاضطراب، الذي حول بهدوء تريليونات الدولارات من الثروة إلى استخدامات أقل إنتاجية، لأنه ليس من الحكمة السياسية مناقشة هذا الأمر. لكن كلما طال أمد محاولة تجنب الحقيقة، ازداد ألم مواجهتها.
وتعود أسباب تلك الكارثة المالية إلى الكوارث الطبيعية التي ازداد عددها وقوتها مع ارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض. وعلى مدى السنوات الـ12 الماضية، تم إنفاق 13.5 تريليون دولار من الثروة العالمية على عمليات تنظيف تداعيات الكوارث، والاستعداد لغيرها، ودفع أقساط أعلى لشركات التأمين. ويُعادل هذا الرقم تقريباً الخسائر الاقتصادية التراكمية التي سببها الركود الكبير على مدى 12 عاماً، وهو ما يزيد على أربعة أضعاف الخسائر التي حدثت خلال الكساد الكبير، بعد تعديلها وفقاً للتضخم. ومنذ عام 2000، بلغ إجمالي هذا الإنفاق 20 تريليون دولار، بحسب الإحصاءات.
وقد خصصت الولايات المتحدة أكثر من نصف إجمالي الإنفاق على مدى 12 عاماً، أي 7.2 تريليون دولار، لمجمّع الكوارث الصناعي، مما ضاعف تكلفة الكساد. كما أنفقت الصين 2.4 تريليون دولار على الاستعداد والتعافي رغم عدم امتلاكها سوق تأمين خاص بها، بينما أنفق الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة مجتمعين 1.6 تريليون دولار.
أدى تزايد الإنفاق على مواجهة آثار الكوارث الطبيعية والاستعداد لها إلى ازدهار الشركات العاملة في مجالات إصلاح الأضرار، والبنية التحتية، والتأمين، والحماية من الكوارث، وهو ما انعكس في أدائها القوي في الأسواق المالية. ويعني ذلك أن المستثمرين في «وول ستريت» أدركوا أن تغير المناخ بات ينقل كميات ضخمة من الأموال نحو هذه القطاعات وبدأوا في الاستفادة من هذا التحول.
إلا أن ذلك يُعتبر أقل فائدة للنمو الاقتصادي المستقبلي. وبدلاً من إنفاق رؤوس الأموال التي كان من الممكن استثمارها في الابتكارات الموعودة مثل تطوير السيارات الطائرة، تُوجه الآن إلى إعادة بناء المنازل والتحصن ضد حرائق الغابات والفيضانات.
وسوف تتفاقم تلك الأضرار مع تفاقم الفوضى البيئية، فكل درجة مئوية ترتفع فيها درجة حرارة الأرض فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية ستؤدي إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 20%، وفقاً للتقديرات.
كما تشير الإحصاءات إلى أن تحسينات الكفاءة في استخدام الطاقة وفّرت 11.5 إكساجول من الطاقة العام الماضي، أي أكثر من ضعف الطاقة المُنتجة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. وتساهم جميعها في الحد من انبعاثات الكربون التي تُسبب ارتفاع درجة حرارة الكوكب.
ورغم أن هناك مستثمرين يُراهنون بقوة على تغير المناخ، بما يشمل آثاره وجهود مكافحته، يبدو أن مفهوم «تغير المناخ» نفسه مُهمشاً سياسياً وثقافياً، ليس من جانب إدارة الرئيس دونالد ترامب فحسب، التي حظرت أي اعتراف رسمي بوجود تغير المناخ، وحذفت البيانات البيئية من المواقع الحكومية، وهاجمت علوم المناخ، وعرقلت الاستثمار في الطاقة النظيفة والتكيف مع تغير المناخ. ولا من جانب شركات التكنولوجيا الكبرى أيضاً التي تتراجع عن التزاماتها البيئية السابقة لأنها خضعت لإغراء بناء مراكز بيانات تستهلك كميات هائلة من الطاقة، بل لأن بعض مناصري قضية المناخ أصبحوا يدعون إلى التخلي عنها. ففي الأسبوع الماضي، نشر «مات هوبر» أستاذ الجيولوجيا بجامعة سيراكيوز مقال رأي في صحيفة «نيويورك تايمز» بعنوان: «انسوا تغير المناخ. على الديمقراطيين مناقشة قضايا أخرى».
وأثار المقال جدلاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي، حتى مع تصريح هوبر بعد ذلك بأن تغير المناخ قضية تهم أساساً «القاعدة المتعلمة والميسورة» للحزب الديمقراطي. لكن الحقيقة أن ما لا يقل عن نصف الأميركيين في كل ولاية، حتى الولايات «الجمهورية»، يشعرون بالقلق من تغير المناخ.
وأضاف ذلك زخماً إلى اتجاه أوسع لتجاهل قضايا البيئة، وهو الاتجاه الذي منحه بيل غيتس شرعية إضافية لعام الماضي عندما قال إن الهوس بارتفاع درجات الحرارة أصبح من أفكار عام 2015، داعياً الليبراليين إلى التركيز بدلاً من ذلك على رفع مستويات المعيشة عالمياً.
وربما يكون لدى هوبر وغيتس وغيرهما وجهة نظر سياسية وجيهة: فإذا كنت سياسياً «ديمقراطياً» تحاول استمالة ناخبين «محافظين» مترددين في انتخابات متقاربة، فمن الطبيعي أن تركّز على مصدر قلقهم الأكبر، والذي يتمثل في العصر الحالي في الرقم الكبير المعلق فوق محطات الوقود، لكن الحديث بإسهاب عن «تغير المناخ» بوصفه مفهوماً مجرداً قد لا يجدي نفعاً.
مع ذلك، أصبحت القدرة على تحمل تكاليف المعيشة وتغير المناخ مرتبطين ارتباطاً وثيقاً. وربما لم تكن أزمة الطاقة التي أثارتها الحرب مع إيران بهذه الخطورة، ولما كان ذلك الرقم الكبير فوق محطات الوقود مرتفعاً إلى هذا الحد، لو توفر للأميركيين المزيد من بدائل الطاقة التي يسعى ترامب وغيره إلى عرقلتها. وربما لم تكن تكاليف التأمين على المنازل لترتفع بهذا الشكل في جميع أنحاء البلاد، مما يجعل امتلاك منزل بعيد المنال عن الكثيرين، لو تعاملنا مع ظاهرة الاحتباس الحراري وآثارها بجدية أكبر منذ البداية.وفي النهاية، فإن حلّ هذه المشكلات يتطلب مواجهة مصدرها الحقيقي. ويبدو أن سوق الأسهم بدأ بالفعل في إصدار إشارات واضحة بأن الوقت قد حان للقيام بذلك.
*كاتب متخصص في قضايا تغير المناخ.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


