تمرُّد 6 يناير.. وقرارات مثيرة للجدل
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

خلال الأسبوع الماضي، أعلنت إدارة الرئيس دونالد ترامب ثلاثة قرارات منفصلة، لكنها مترابطة، وهي قرارات تحمل تداعيات تُقوِّض الأُسس التي تقوم عليها الديمقراطية الأميركية.وكان أول تلك القرارات إعلان وزارة العدل الأميركية إنشاء صندوق بقيمة مليار و776 مليون دولار لتعويض «ضحايا» ما وصفته الإدارة السابقة بـ«تسليح القانون»، عبر «التحقيق معهم ومعاقبتهم بصورة غير عادلة». وفي المقابل، وافق ترامب على إسقاط دعواه القضائية المثيرة للجدل، التي بلغت قيمتها 10 مليارات دولار، ضد مصلحة الضرائب، بعدما اتهمها بالتقاعس عن منع أحد المتعاقدين من تسريب أحد إقراراته الضريبية إلى وسائل الإعلام عام 2019. ولإكمال هذه الثلاثية، أضافت وزارة العدل بنداً إلى «صندوق الضحايا» ينصّ على أن: «تُبرئ الولايات المتحدة وتتنازل وتُسقط إلى الأبد أي ملاحقة بحق [ترامب وعائلته وشركاته]، وتُمنع نهائياً مَن رفع أو متابعة أي دعاوى كانت أو كان يمكن أن تُرفع من قِبل مصلحة الضرائب ضدهم أو ضد أفراد أو جهات مرتبطة بهم»
ورغم أن كل قرار من الثلاثة يثير إشكالات كبيرة بحدّ ذاته، فإن أكثر ما يبعث على القلق هو ارتباطها ببعضها. فقد كان من المقرر أن تُرفض دعوى ترامب ضد مصلحة الضرائب من قِبل القاضية التي تنظر القضية، إذ رأت أن مقاضاة البيت الأبيض لوكالة فيدرالية تحت سلطته أمر غير لائق، إذ يضع الإدارة في موقع المدعي والمدّعى عليه في آن واحد. وكان من المنتظر إعلان القرار بحلول 20 مايو، ما أجبر البيت الأبيض على سحب الدعوى قبل صدور حكم برفضها. ومن ثم، لم يكن من قبيل المصادفة أن تعلن وزارة العدل في 18 و19 مايو عن «صندوق الضحايا» وحظر أي إجراء مستقبلي من مصلحة الضرائب ضد الرئيس.

لكن القصة لا تنتهي عند هذا الحد، إذ تظل هناك أسئلة خطيرة حول ملف مصلحة الضرائب بأكمله. فالمتعاقد الذي سرّب الوثيقة أُلقي القبض عليه وأُدين. ولم تكن هناك أي صلة بين فعله الإجرامي، الذي أقرّ به، وبين مصلحة الضرائب كمؤسسة. وبالتالي، فإن دعوى الرئيس ضد المؤسسة، ومطالبته بتعويض قدره 10 مليارات دولار، كانتا خطوتين مبالغاً فيهما إلى حدٍّ بعيد. ومثل العديد من دعاوى ترامب السابقة ضد المؤسسات الإعلامية، بدا الهدف منها الترهيب لانتزاع نوع من التسوية.
وقد أكدت معالجة وزارة العدل للقضية صحة مخاوف القاضية من أن رئيس الحكومة لا يمكنه مقاضاة وكالة يشرف عليها بنفسه، ناهيك عن محاولته انتزاع تعويض ضخم منها. 
أما إنشاء صندوق بقيمة مليار و776 مليون دولار لتعويض من يزعمون أنهم كانوا ضحايا «تسليح القانون»، فيمثّل تتويجاً لجهد استمر ست سنوات من الرئيس، تجاوز فيه مجرد الدفاع عن المتمردين العنيفين الذين اقتحموا مبنى الكونجرس «الكابيتول» يوم 6 يناير 2021. وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة لترامب، لأنه بدفاعه عنهم، إنما يدافع عن ادعائه بأنه الفائز الحقيقي في انتخابات 2020، وأن الحشود التي اقتحمت الكونجرس لم تكن مخالفة للقانون، بل كانوا «أبطالاً» و«شهداء مضطهدين» يستحقون التعويض.
وقبل ما يزيد قليلاً على ست سنوات، شهدنا مشاهد مروّعة لحشود عنيفة تقتحم مبنى الكابيتول الأميركي في محاولة لمنع الكونجرس من التصديق على نتائج انتخابات 2020. وهاجموا أفراد شرطة الكابيتول الذين كانوا يؤدّون واجبهم في حماية أعضاء الكونجرس والمبنى نفسه. وأُصيب بعضهم بجروح، ولقي عدد مصرعهم. وقد أدت تلك المشاهد إلى صدمة الجمهور.
وبسبب تحريض الرئيس لهذه الحشود، وجّه إليه الكونجرس اتهاماً رسمياً تمهيداً لعزله. وصوّت عشرة أعضاء «جمهوريين» في مجلس النواب لصالح عزله، كما صوّت سبعة أعضاء «جمهوريين» في مجلس الشيوخ لإدانته.
لكن بعد حملة ترامب المتواصلة لحشد أنصاره وفرض الولاء له، اختفى معظم الأعضاء الـ17 من أعضاء مجلسي النواب والشيوخ الذين صوّتوا ضده، فإما أنهم استقالوا لأن الضغوط أصبحت لا تُحتمل، أو أُطيح بهم على يد موالين لترامب.
وتؤكد استطلاعات الرأي هذا الواقع. ففي عام 2021، شعر معظم «الجمهوريين» بالغضب إزاء أعمال العنف التي ارتكبها الحشود. وأظهر استطلاع رأي أُجري في يناير 2021 أن 78% من مؤيدي ترامب استنكروا هذا التمرد. ويكشف استطلاع رأي أحدث عن تحوّل جذري. فعندما طُلب من «الجمهوريين» وصف أحداث 6 يناير، قال 60% منهم إنها كانت «مشاركة في حوار سياسي مشروع». بينما قال 18% فقط إنها كانت «مشاركة في تمرد عنيف».
 وبعد أن خفّف بالفعل أحكام أكثر من 2000 متمرد أو منحهم العفو، لمكافأتهم على ولائهم له، ارتد عدد من أعضاء مجلس الشيوخ «الجمهوريين»، الذين يعتبرون أنفسهم من أنصار القانون والنظام والمحافظين مالياً، وشعروا بالذعر أمام ما وصفه بعضهم بأنه «خطأ أخلاقي»، و«إساءة لاستعمال السلطة». وبدلاً من العمل على تمرير بعض أولويات ترامب التشريعية، انتقدوا تصرفاته، وأنهوا الجلسات مبكراً.


*رئيس المعهد العربي الأميركي



إقرأ المزيد