التربية المدنية.. أفضل وسيلة لدحض الاستقطاب
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

قبل عشر سنوات، كان أميركي واحد بين كل أربعة يعرف أسماء السلطات الثلاث في نظام الحكم. وبحلول عام 2025، أصبح سبعة من كل عشرة يعرفونها. وقبل عِقد من الزمن على حلول الذكرى الـ250 لتأسيس الأمة الأميركية، كانت على وشك أن تصبح أمة فقدت قدرتها على شرح ذاتها لأبنائها.
وفي حين أن معظم الأخبار السياسية اليوم قد تكون شديدة الإحباط، إلا أن قوة التربية المدنية العميقة، الكامنة وراء هذا السطح، تُشكّل حياتنا الوطنية نحو الأفضل.
إنها حركة تهدف إلى تثقيف الأميركيين حول الديمقراطية الأميركية، وتعليمهم أفكاراً مثل الوطنية الواعية المقرونة بنظرة موضوعية إلى نجاحات وإخفاقات البلاد، والاختلاف المدني، وكيف تعمل حكومتنا، وكيف يمكن لكل فرد أن يساهم فيها.
وكثيراً ما ينتهي الحديث، عندما يشكو المواطنين من حال السياسة، إلى النقطة نفسها: أننا لم نعد نمتلك تربية مدنية. لكن ذلك غير صحيح حالياً، فقد بلغ تراجع التربية المدنية أدنى مستوياته قبل نحو عقد، وها هو اليوم يصعد من جديد، ما يبعث الأمل مجدداً.
ويُعتبر إعلان الاستقلال الأميركي، الصادر عام 1776، في جوهره بمثابة قصة عن الفاعلية الإنسانية، في شكل مبادئ تحكم أفعال البشر وتكاتفهم لبدء مسار جديد لمن يريدون تغيير حياتهم. وقد أثار إعلان الاستقلال نقاشات حول التحول الشخصي والتحرر، وتطلعات لتغيير ديناميكيات أماكن العمل، ونقاشات جادة حول كيفية التعامل مع السياسة في مدينة شيكاغو.

لذلك كان تدريس مبادئ إعلان الاستقلال ضمن إطار التربية المدنية يمنح الطلاب الأميركيين إحساساً بدورهم كمواطنين، ويغرس فيهم فكرة أن لهم قدرة ومسؤولية في المشاركة في الحياة العامة، وفي المساهمة في تغيير مجتمعهم وتحسينه، مع التركيز بصورة أوسع على فكرة التميز في تدريس التاريخ والتربية المدنية، وتمكين الطلاب من طرح أسئلة جوهرية عن تاريخ بلادهم ومؤسساتها ومُثلها والإجابة عنها باستقلالية فكرية.
لكن السؤال المطروح هو: لماذا وصل التعليم المدني إلى هذا المستوى المتدني؟ لعل الاستقطاب السياسي بين البالغين كان أكبر عائق أمام تطوير التعليم المدني للشباب. فقد أدى الاستقطاب إلى عجز الكبار عن الاتفاق على ما يجب تدريسه حول التاريخ السياسي الأميركي، ونتيجة لذلك، لم يتلقَ الأطفال أي تعليم يُذكر.
وقد انضممت إلى مجموعة من قادة التربية المدنية لإطلاق مبادرة حليفة باسم «التعليم من أجل الديمقراطية الأميركية»، لا تركّز على السياسات، بل على ما نُدرسه للطلبة. وقد تصدّت المبادرة لهذا الاستقطاب وتغلّبت عليه، كما تميّزت بالتنوع في جميع جوانبها، لاسيما وجهات النظر.
وفيما يلي ثلاثة حلول وسط توصلنا إليها.
عندما بدأنا مناقشة ما ينبغي تدريسه، أقررنا باحتمالية اختلافنا، ولكن رغم اختلاف وجهات نظرنا السياسية، فإننا نتشارك شعوراً ملحاً بضرورة منح الطلاب فرصاً أوسع للتعلم المدني. ووجدنا أن أنصار «الديمقراطية» يُشددون على قيم الشمولية الشاملة، والمشاركة، والسيادة الشعبية. أما من نادوا بـ«الجمهورية» فقد أعطوا الأولوية للدستورية، وسيادة القانون، والنظام والهيكلية. وتوصلنا إلى حل وسط بشأن «الديمقراطية الدستورية»، وهو لم يكن بالأمر الهين. فولاية يوتا، على سبيل المثال، تُلزم بتعليم الطلاب أننا نعيش في جمهورية، لا في ظل نظام ديمقراطي.
وواجهنا صعوبة في فهم مفاهيم مثل الوطنية والتضامن، فالأولى أكثر أهمية لليمين، والثانية لليسار. وتوصّلنا إلى مفهوم تنمية «الوطنية الواعية»، وهي فكرة شاع استخدامها على يد ألكسيس دو توكفيل، حيث يُقدر المواطن المتأمل قوة المؤسسات الحرة في فتح آفاق جديدة، مع إدراكه الواقعي إلى المواضع التي نجحت فيها البلاد أو أخفقت في تحقيق مُثلها، مع قبول التصحيح والإصلاح.

وتجادلنا حول ما إذا كان ينبغي دائماً تصفية المعرفة المدنية من خلال العِرق والطبقة والجنس الاجتماعي، أو ما إذا كان ينبغي لنا تنحية الهوية الشخصية والاجتماعية جانباً باستبعاد التصنيفات التقليدية. إلا أننا تخلينا عن سياسات الهوية وفكرة تجاهل الفروق تماماً، واعتمدنا بدلاً من ذلك مبدأ التعددية. فأميركا مجتمع شديد التنوع، وهذا هو معنى التعددية. لكنها أيضاً توجه أخلاقي ضروري للديمقراطية، كما قال جيمس ماديسون منذ زمن بعيد.
إن مسؤوليتنا كمواطنين ومعلّمين أن نتعلم كيفية احترام الآخر والتواصل والتعاون عبر خطوط الاختلاف، سواء كانت اختلافات في الهوية أو في الفكر. وتكمن مسؤولية المواطنين في الديمقراطية الدستورية في ضمان أن تغذي التعددية الإبداع والثراء الثقافي، لا الانقسام. ولتحقيق ذلك، نحتاج إلى أخلاقيات الصداقة المدنية والاختلاف المتحضر.
وقد أدركنا أن الممارسات التي كنا نطورها بيننا تُعتبر أمثلة على المهارات المدنية التي نأمل في تعليمها. فالتربية المدنية الناجحة لا تُعلِّم الطلاب كيف يتجنّبون الاستقطاب عبر تقديم إجابات سهلة وغير خلافية، بل تعلّمهم كيف يبنون علاقات مع من يختلفون معهم، وكيف يحدّدون القيم المشتركة رغم الاختلاف، ثم كيف يكافحون للوصول إلى حلول جديدة، أو إلى حلول وسط عند الضرورة.
وكانت القاضية ساندرا داي أوكونور تشير إلى أن الديمقراطية ليست «موروثة عبر الجينات»، بل «يجب تعليمها وتعلمها من جديد في كل جيل».
ويتوافق ذلك مع رؤية لينكولن الشهيرة بأن المبدأ الأخلاقي لإعلان الاستقلال، وهو أن جميع البشر خُلقوا متساوين، هو «خيط كهربائي» يربط جميع الأميركيين من جيل الآباء المؤسسين حتى اليوم. فالتراث الأميركي، لا النّسب أو التواجد الجيلي على هذه الشواطئ، هو ما يُمثّل هذا الترابط. وممارسات الاختلاف المدني ضرورية لجعل هذا الالتزام الأخلاقي واقعاً ملموساً.وبالتأكيد، تلقينا دعماً في إحياء التربية المدنية، حيث وفرت رئاسات ترامب برامج تعليمية مكثفة قائمة على المشاريع لجميع الأميركيين حول صلاحيات الرئاسة، وحدود الدستور، ونظام المجمع الانتخابي، واستخدام الأوامر التنفيذية وإساءة استخدامها، وإجراءات العزل. لكن الفضل في هذا التغيير لم يكن للرئيس وحده. فالشعب بذل جهوداً حثيثة لإطلاق التربية المدنية، وقد نجح في ذلك. 


*أستاذة الفلسفة السياسية بجامعة هارفارد ومفكرة متخصصة في شؤون الديمقراطية والتربية المدنية.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»



إقرأ المزيد