جريدة الإتحاد - 5/23/2026 11:35:21 PM - GMT (+4 )
قبل أيام كتب خليفة خالد هنا في صحيفة «الاتحاد»، وتحديداً في هذه الصفحات «وجهات نظر» (الخميس 21 مايو 2026)، عن «استعادة الفلسفة: مدخل العرب إلى الحداثة». وفي المقالة أصالةٌ وجدةٌ تُحمدُ للكاتب. وقد دأب شبان المثقفين في الخليج خلال السنوات العشر الماضية على التذكير بضرورة الفلسفة في مناهج التعليم الأساسي والجامعي. ووجهة النظر هذه تذهب إلى أنّ الفلسفة تعلّم طرائقَ التفكير النقدي وتُثري العقلَ من خلال تطوير الرؤى في كبريات المسائل بالاختلاف الذي ينير ويُخرج من الجمود والأوحدية. والواقع أنه ما جرى بدايةً خلافٌ حقيقي في أزمنة العرب الحديثة بشأن هذه المسألة، بل إنّ فرع الإنسانيات في الشهادة الثانوية اللبنانية كان يسمَّى فرع الفلسفة. وقد أثّر اللبنانيون والمصريون في وضع البرامج التعليمية في دول الخليج العربية منذ خمسينيات وستينيات القرن الماضي ومن المفروض أنّ الفلسفة في المدارس والجامعات كانت من ضمن المقرر. لكن منذ الثمانينيات بدأت الفلسفة (قديمها وحديثها) تختفي من البرامج. وحتى في الثانوية اللبنانية حلّ اسم الحضارات محلّ اسم الفلسفة. ولاحظتُ، لكن متأخراً، أنه منذ السبعينيات بدأت مادة «الثقافة الإسلامية» تحلّ محل الفلسفة المعتبرة ضمن مقررات الثقافة العامة والإنسانيات في السنوات الأولى بالجامعات الغربية في كل التخصصات. لقد عادت الفلسفة، أو بالأحرى تاريخ الفلسفة، إلى البرامج التعليمية بالتدريج وبدرجاتٍ متفاوتة. والذي أودُّ التنبيه إليه في هذا السياق هو ارتباط الفلسفة بالتاريخ. وما عانت دراسة التاريخ في برامجنا التعليمية ما عانته الفلسفة. وعند الإغريق ظهر الاهتمامان معاً، بالفلسفة (وكان علم الطبيعة والرياضيات والفلك جزءاً منها) وبالتاريخ، وذلك في القرنين السادس والخامس قبل الميلاد. وكذلك الأمر عند العرب. فخليفة خالد يذكر الكندي، فيلسوف العرب الأول الذي كتب في الوجود والإنسان والدين وكتب في الرياضيات والمناظر. وقد توفي في منتصف القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي. وفي تلك الفترة ظهر المؤرخون الكبار مثل الطبري والبلاذري واليعقوبي والدينوري والمسعودي وحمزة الأصفهاني. وجمع مسكويه بين الفلسفة والتاريخ في الكتابة (الهوامل والشوامل، وتجارب الأُمم). وفي القرن العشرين كان التاريخ محظوظاً في الثقافة العربية أكثر من الفلسفة.
لكنّ الكتّاب في نظرية التاريخ وفلسفته كانوا قلة، رغم الارتباط الضروري بين الاهتمامين من أجل النهوض والازدهار. فالفلسفة تُعنى بالوجود الإنساني ومحيطه ومصائره، أما التاريخ فيُعنى بالحدث الإنساني (بحسب ابن خلدون: التاريخ خبر عن البشر)، ولذلك فإنّ الألمان المحدثين المبدعين في الفلسفة أنتجوا التاريخانية Historicism، وهي مذهب فلسفي يقوم على الفيلولوجيا والتاريخ. وبالطبع لا فلسفة من دون فيلولوجيا، بينما يقع التاريخ بين حضارة الإنسان وثقافته. ولذا، وعندما جرى الاشتباك على أوحدية العلم التجريبي، أخرج الألماني هومبولت العلوم الإنسانية من التجريبية وأقامها على الفلسفة والتاريخ باعتبارهما علمين وإن لم يكونا تجريبيين. وبنهوض الفلسفة في العالم العربي من جديد، ينهض علم التاريخ بنظريته وفلسفته، لأن التاريخ ليس حدثاً وحسب، بل هو رؤية وخيار واختيار وفلسفة. التاريخ يحدث أولاً وتتبعه الفلسفة فهماً وتأويلاً.
*أستاذ الدراسات الإسلامية - جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية
إقرأ المزيد


