جريدة الإتحاد - 5/23/2026 11:45:44 PM - GMT (+4 )
يشكّل النمو الاستثنائي الذي حققه قطاع التجارة الخارجية غير النفطية لإمارة أبوظبي خلال عام 2025، علامة فارقة في مسيرة التحول الاقتصادي لدولة الإمارات العربية المتحدة باتجاه تقليص الاعتماد على النفط وبناء اقتصاد متنوع ومستدام. فقد سجّلت الإمارة قفزة نوعية بنسبة 36% في حجم تجارتها الخارجية غير النفطية، لترتفع قيمتها الإجمالية من 306 مليارات درهم في عام 2024 إلى ما يتجاوز 415.4 مليار درهم في عام 2025. هذا الأداء القوي لا يعكس فقط تعافي الأسواق وتوسع الأنشطة التجارية، بل ويبرز قدرة أبوظبي على تعزيز تنافسيتها في الساحة الاقتصادية العالمية، مستفيدةً من بنيتها التحتية اللوجستية المتطورة وشراكاتها الاستراتيجية المتنامية. وتكتسب هذه الأرقام أهمية مضاعفة عند تحليل مكوناتها الأساسية، إذ قادت الصادرات غير النفطية وحدها هذه الطفرة بنمو استثنائي بلغ 63%، لتصل قيمتها إلى 175.4 مليار درهم، مقارنة بنحو 107.8 مليار درهم في العام السابق.
ويحمل هذا المؤشر تحديداً دلالات عميقة حول تنامي تنافسية المنتجات المحلية وقدرتها المتزايدة على النفاذ إلى أسواق جديدة، وهو ما يتوافق مع الاستراتيجية الصناعية لدولة الإمارات الرامية إلى تعزيز المحتوى الوطني ورفع مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي. ولم يقتصر النمو على الصادرات فحسب، بل شمل الواردات التي ارتفعت بنسبة 22% لتصل إلى 170.4 مليار درهم، وأنشطة إعادة التصدير التي نمت بنسبة 20% لتبلغ 70 مليار درهم، مما يعكس حيوية الطلب المحلي وديناميكية قطاع الأعمال في الإمارة.
ويتوازى هذا الأداء التجاري القوي مع نمو ملحوظ في مؤشرات الاقتصاد الكلّي لأبوظبي، حيث أظهرت التقديرات نمو الناتج المحلي الإجمالي للإمارة بنسبة 7.7% خلال الربع الثالث من عام 2025، مدفوعاً بشكل رئيسي بنمو القطاعات غير النفطية التي سجّلت ارتفاعاً بنسبة 7.6%. وقد تجلّى نجاح سياسات التنويع الاقتصادي بوضوح في بلوغ مساهمة الأنشطة غير النفطية نحو 54% من إجمالي الناتج المحلي خلال تلك الفترة، لتصل إلى 175.6 مليار درهم.
هذا التحول الهيكلي يبرهن على أن النمو لم يَعُد مرتهناً بتقلبات أسواق الطاقة، بل أصبح يستند إلى قاعدة صلبة من القطاعات الإنتاجية والخدمية المتنوعة. ولا يمكن قراءة هذه الإنجازات بمعزل عن الجهود الحثيثة التي تبذلها دولة الإمارات لتعزيز اندماجها في الاقتصاد العالمي، والتي تُوِّجت بتجاوز التجارة الخارجية غير النفطية للدولة حاجز 3.8 تريليون درهم بنهاية عام 2025، محققة نمواً يتجاوز 26.8%. ويُعد برنامج اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة (CEPA) أحد أهم المحركات لهذا النمو، حيث نجحت الإمارات في إبرام نحو 34 اتفاقية مع دول عدة في مختلف القارات، دخل العديد منها حيز التنفيذ لفتح آفاق واسعة أمام الصادرات الوطنية وتسهيل حركة التجارة والاستثمار.
وتعكس البنية التحتية اللوجستية المتطورة في أبوظبي الدور الاستراتيجي الذي تضطلع به الإمارة في تعزيز كفاءة التدفقات التجارية وربط الأسواق الإقليمية والعالمية بسلاسة عالية، وهو ما يتجلى في التوزيع المتوازن لحركة التجارة عبر مختلف المنافذ، بما يعكس تكامل منظومة النقل وتنوع خياراتها التشغيلية. فقد استحوذت المنافذ البرية على 35% من إجمالي الحركة التجارية، مدفوعة بكفاءة الربط الإقليمي وسرعة تدفق السلع، فيما سجّلت المنافذ الجوية 33.5% بفضل القدرات المتقدمة لقطاع الشحن الجوي ودوره في دعم التجارة عالية القيمة وسريعة التداول، في حين بلغت حصة المنافذ البحرية 31.5%، بما يؤكد المكانة المحورية للموانئ في دعم سلاسل الإمداد والتجارة الدولية.
وفي ضوء هذه المؤشرات، تُبرهن أبوظبي على أن نجاحها التجاري أصبح نتاجاً مباشراً لرؤية تنموية بعيدة المدى ترتكز على المرونة الاقتصادية، والقدرة على إعادة صياغة الفرص ضمن إطار استراتيجي مستدام. فالإمارة تمضي نحو ترسيخ نموذج اقتصادي متوازن يجمع بين قوة البنية التحتية، وتنوع الشراكات الدولية، والاستثمار المكثف في المعرفة والابتكار. ومع تسارع التحولات في الاقتصاد العالمي، تبدو أبوظبي أكثر استعداداً لقيادة مرحلة جديدة من النمو النوعي القائم على التنافسية والاستدامة، بما ينسجم مع طموحاتها في بناء اقتصاد المستقبل وترسيخ مكانتها ضمن أبرز المراكز الاقتصادية والتجارية في العالم.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.
إقرأ المزيد


