ظاهرة «النينيو» والخليج العربي
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

 تُعد ظاهرة النينيو (El Niño) من أكثر الظواهر المناخية تعقيداً وتأثيراً على النظام البيئي العالمي، إذ ترتبط مباشرة باضطرابات واسعة في درجات الحرارة وأنماط الهطول والحركة الجوية على مستوى الكوكب. وتنشأ ظاهرة النينيو عندما ترتفع درجات حرارة المياه السطحية في المنطقة الاستوائية الشرقية والوسطى من المحيط الهادئ بمعدل يتجاوز المتوسط الطبيعي بنحو 0.5 درجة مئوية أو أكثر لفترة ممتدة. هذا الارتفاع يؤدي إلى ضعف الرياح التجارية التي تدفع عادة المياه الدافئة نحو غرب المحيط الهادئ، فتتغير حركة التيارات البحرية وتوزيع الحرارة والرطوبة في الغلاف الجوي، وهو ما يسبّب اضطرابات مناخية عالمية واسعة النطاق.
وتُشير تقارير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO) إلى أن تزامن ظاهرة النينيو مع ظاهرة الاحتباس الحراري الحالية يزيد من احتمالية تسجيل درجات حرارة غير مسبوقة عالمياً. فدرجة حرارة الكوكب ارتفعت بالفعل بأكثر من 1.1 درجة مئوية، مقارنة بفترة ما قبل الثورة الصناعية، وبالتالي فإن أي ارتفاع إضافي ناتج عن النينيو قد يدفع الأنظمة المناخية إلى مستويات أكثر تطرفاً، وهو أمر غير مُستبعَد وقد تكون السنة الحالية الانطلاقة الأخطر لتلك الظاهرة.
وقد أظهرت بيانات الأقمار الصناعية والمراكز المناخية الدولية خلال الفترة الأخيرة تسجيل أرقام قياسية في درجات حرارة المياه بالمحيط الأطلسي والمحيط الهادئ. ويرى العلماء أن هذا الارتفاع يمثّل عاملاً مضاعفاً لقوة الأعاصير والعواصف المدارية، لأن المياه الدافئة توفر طاقة أكبر للأنظمة الجوية العنيفة.
ومن الأدلة التي يستند إليها العلماء في وصف الدورة الحالية بأنها قد تكون سنة كوارث، الزيادة الواضحة في عدد الظواهر الجوية المتطرفة خلال فترة قصيرة نسبياً. فقد سجّلت دول عديدة فيضانات غير مسبوقة، مثل الفيضانات التي ضربت أجزاءً من آسيا وأميركا الجنوبية، في حين تعرّضت مناطق أخرى لجفاف حاد أثّر على الزراعة وإمدادات المياه والطاقة.
ويؤكد خبراء المناخ أن «النينيو» يضخّم تأثير التغير المناخي القائم أصلاً، فعندما ترتفع حرارة الهواء والمحيطات معاً، تزداد قدرة الغلاف الجوي على حمل بخار الماء، مما يؤدي إلى أمطار أكثر غزارة وعواصف أشد قوة. وفي المقابل، تتعرض بعض المناطق لفترات جفاف طويلة نتيجة تغير حركة التيارات الهوائية العالمية.
وفي منطقة الخليج العربي والوطن العربي، تبدو التأثيرات أكثر حساسية بسبب الطبيعة الصحراوية والجافة للمنطقة، واعتماد كثير من الدول على استيراد الغذاء والمياه والطاقة، فارتفاع درجات الحرارة، الناتج عن ظاهرة النينيو، قد يؤدي إلى موجات حر غير مسبوقة، وزيادة معدلات الجفاف والتصحر، وارتفاع استهلاك الكهرباء والمياه، إضافة إلى اضطرابات اقتصادية واسعة.
وتشير تقارير البنك الدولي إلى أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تُعد من أكثر المناطق تعرّضاً للإجهاد المائي عالمياً. فهل تتفاقم أزمة المياه ولن يجدي الاستثمار في البنية التحتية وزيادة إنتاجية محطات التحلية عندما تكون التهديدات من فعل الإنسان والطبيعة معاً وازدياد حوادث التلوث الكبرى، وليس بالضرورة من تسرب نفطي أو لإحدى المواد الخطرة، بل من كائنات ونباتات بحرية تتحور لتشكل خطراً مركباً.
فالكوارث المناخية تؤثّر على الإنتاج الزراعي العالمي، مما يؤدي إلى ارتفاع أسعار الحبوب والمحاصيل الأساسية. وبما أن معظم الدول العربية تعتمد بدرجات كبيرة على الاستيراد، فإن أي اضطراب في الأسواق العالمية ينعكس مباشرة على أسعار الغذاء والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، ومخازن التخزين الاستراتيجي استهلاكية التوجه وليست حمائية ومستدامة وقابلة للتوسع والإنتاجية الذاتية. ولماذا لا يكون المخزون الاستراتيجي كافياً لمدة عشرين سنة؟ وسيستغرب معظم أصحاب التخصص من هذا السؤال، وهو بيت القصيد حول سؤال البدائل الاستراتيجية. كما ترتبط ظاهرة النينيو بزيادة المخاطر الصحية وانتشار الأمراض، وهو ما يجعلها التهديد الأكبر في السنوات القادمة، فما هي استعدادات دول المنطقة لذلك؟ وهل تراه تهديداً في المقام الأول؟ وماذا عن سيناريو انتشار متحورات فيروسات مثل الإيبولا والهانتا (ليس فيروساً واحداً كما هو شائع ويوجد في قارات مختلفة) واشتعال الوضع الجيوسياسي في المنطقة؟ السيناريو الأسوأ ليس سيناريو واحداً أو خطراً أو اثنين، وعليه فإن سر الجاهزية الوطنية يكمن في الوعي الشامل للتحديات، وليس في وجود وكلاء ذكاء اصطناعي خارقين فقط. 


*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات. 



إقرأ المزيد